( وأنا أعلم قطعًا أنه لم يكن له في هذا العلم حظ ، أعني العلم بصحيح الأخبار وسقيمها ، وبمشهور الأخبار وغرائبها ، ومنكراتها وغير منكراتها ، لأن هذا أمر يدور على معرفة الرواة ولا يمكن أن يقترب من مثل هذا بالذكاء والفطنة ، فكان الأولى به عفا الله عنه أن يترك الخوضَ في هذا الفن ويُحيله على أهله ، فإنَّ من خاض فيما ليس من شأنه فأقلّ ما يصيبه افتضاحُه عند أهله ، وليست العبرة بقبول الجهلة وإنَّ لكل ساقطةٍ لاقطة ، ولكلِّ ضالةٍ ناشد ، ولكن العبرة في كل علم بأهله الأدنين ، ولكل عمل رجال ، فينبغي أن يسلَّم لهم ذلك .
فإن قال قائل: فما حد الخبر الصحيح عندكم ؟ قلنا: قد ذكرنا من قبل رجاله وكتبه فالأمر بالتصحيح والتمريض إليهم ) .
وقبل ذلك بكثير قال عالم العلل الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج صاحب ( الجامع الصحيح ) في ( التمييز ) له ( ص218-219 ، مكتبة الكوثر ) :
( اعلم ، رحمك الله ، أن صناعة الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم ، إنما هي لأهل الحديث خاصة ؛ لأنهم الحفاظ لروايات الناس ، العارفين بها دون غيرهم ، إذ الأصل الذي يعتمدون لأديانهم: السنن والآثار المنقولة ، من عصر إلى عصر ، من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا ؛ فلا سبيل لمن نابذهم من الناس وخالفهم في المذهب ، إلى معرفة الحديث ومعرفة الرجال من علماء الأمصار فيما مضى من الأعصار مِن نقل(1) الأخبار ، وحُمّال الآثار .
وأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ويميزونهم ، حتى ينزلونهم ؟؟ منازلهم في التعديل والتجريح .
(1) كذا في المطبوع ولا أدري أهي محفوظة أم مصحفة عن نحو ( نُقّال ) أو ( نَقَلة ) .