الصفحة 66 من 72

وهذا الجواب منه مع قوله في القدرية لو تركنا الرواية عن القدرية لتركناها عن أكثر أهل البصرة، ومع ما كان يعاملهم به في المحنة من الدفع بالتي هي أحسن ومخاطبتهم بالحجج؛ يفسر ما في كلامه وأفعاله من هجرهم والنهي عن مجالستهم ومكالمتهم، حتى هجر في زمن غيرها أعيانا من الأكابر، وأمر بهجرهم لنوع ما من التجهم، فإن الهجرة نوع من أنواع التعزير، والعقوبة نوع من أنواع الهجرة التي هي ترك السيئات فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « المهاجر من هجر السيئات » ، وقال: «من هجر ما نهى الله عنه » ، فهذا هجرة التقوى ، وفي هجرة التعزير والجهاد؛ هجرة الثلاثة الذين خلفوا وأمر المسلمين بهجرهم حتى تيب عليهم.

فالهجرة تارة تكون من نوع التقوى إذا كانت هجرا للسيئات، كما قال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (الأنعام:68-69) فبين سبحانه أن المتقين خلاف الظالمين، وأن المأمورين بهجران مجالس الخوض في آيات الله هم المتقون، وتارة تكون من نوع الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإقامة الحدود، وهو عقوبة من اعتدى وكان ظالما، وعقوبة الظالم وتعزيره مشروط بالقدرة، فلهذا اختلف حكم الشرع في نوعي الهجرتين بين القادر والعاجز، وبين قلة نوع الظالم المبتدع وكثرته وقوته وضعفه، كما يختلف الحكم بذلك في سائر أنواع الظلم من الكفر والفسوق والعصيان، فإن كل ما حرمه الله فهو ظلم إما في حق الله فقط وإما في حق عباده، وإما فيهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت