فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 56

البلاغة فعالة مصدر بلُغ بضم اللام كفقه وهو مشتق من بلَغ بفتح اللام بلوغًا بمعنى وصل وإنما سمي هذا العلم بالبلاغة لأنه بمسائله وبمعرفتها يبلغ المتكلم إلى الإفصاح عن جميع مراده بكلام سهل وواضح ومشتمل على ما يعين على قبول السامع له ونفوذه في نفسه فلما صار هذا البلوغ المعنوي سجية يحاول تحصيلها بهذا العلم صاغوا له وزن فعُل بضم العين للدلالة على السجية فقالوا علم البلاغة [1] فإن المتكلم إذا تكلم فإنما اهتمامه بأن ينقل ما في ضميره إلى ذهن سامعه فهو محتاج قبل كل شيء إلى معرفة اللغة التي يريد أن يخاطب بها من مفرداتها وكيفية تركيبها فإذا لم يعلم ذلك لم يكد كلامه أن يفهم وهذه المعرفة تحصل له من علم اللغة والنحو والصرف فإن حاول تكلمها بدون هذه المعرفة كان مثله كما قال الحطيئة في الشعر (( يريد أن يعربه فيعجبه ) ) [2]

(1) وبيان ذلك أن اشتمال الكلام على الكيفيات التي تعارفها خاصة فصحاء العرب فكان كلامهم أوقع من كلام عامتهم وأنفذ في نفوس السامعين وعلى ما شابه تلك الكيفيات مما أبتكره المزاولون لكلامهم وأدبهم وعلى ما يحسن ذلك مما وقع في كلام العرب وابتكره المولعون بلسانهم يعد بلوغًا من المتكلم إلى منتهى الإفصاح عن مراده.

(2) مثال ذلك ما حكاه الجاحظ أنه سأل رجلًا دخيلًا في العربية عن صبي أخذته الشرطة في سرقة أتهم بها قائلًا في: أي شيء أسلموا هذا الصبي؟ فأجاب (( في أصحاب سند نعال ) )أي في أصحاب النعال السندية، وقال مرة يشتم غلامًا للجاحظ (( الناس ويلك أنت حياء كلهم أقل ) )يريد أنت أقل الناس حياء واسم هذا الدخيل نفيس بن بريهة، وكما يريد أحد أن يقول باع فرسين فيقول بيع فرس وفرس لأنه لا يعرف كيف يصوغ ماضي باع ولا يعرف صيغة المثنى ولا الإعراب..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت