ولكنه إذا علم اللغة والنحو والصرف فإنما يستطيع أن يعبر عن حاصل المراد وأصل المعنى ولا يستطيع أن يفصح عن تمام المراد فلو أراد أن يخبرك بحضور تلميذ واحد من تلامذة درسه وتخلف الباقين فقال لك حضر زياد لم تفهم إلا أنه أخبرك بحضور زياد لئلا تكتبه متخلفًا ثم إذا علمت أن بقية التلامذة لم يحضروا فقلت له: ما بالك لم تخبرني بعدم حضور أنس ونافع وغيرهما؟ قال لك: ألستُ قد أخبرتك بحضور زياد ولم أذكر لك غيره؟ فدلك بقوله ذلك على قصوره في معرفة أداء جميع مراده على أنه لو تنبه لزيادة البيان لقال حضر زياد ولم يحضر أنس لم يحضر نافع لم يحضر زهير وأخذ يعدد بقية التلامذة أو استعان بحركة يديه فقال لك حضر زياد ثم ضرب بيديه كالنافض لهما كأنه يشير إلى معنى فقط فحينئذ أدى جميع مراده لكن بعبارة غير سهلة ومع إشارة فإذا كان قد علم الكيفية الخصوصية للتعبير عن هذا المراد وهي أن يقول ما حضر إلا زياد كان قد بلغ إلى أداء جميع مراده بكلام سهل وكذا إذا أراد أن يخبرك عما أبلاه عنترة من الشجاعة والفتك في يوم من أيامه فجعل يقول قتل فلانًا وجرح فلانًا وضرب فلانًا وضرب الفرس فأدماه وهرب راكبه وسبى نساءهم وحطم مشاتهم فإنه قد دلك على جميع مراده بعبارة غير واضحة في الدلالة على جميع المراد بكلام واضح الدلالة عليه، ولما كانت الكيفيات المذكورة لا تقع إلا في كلام خاصة أهل اللسان العربي سموها بالخصوصيات نسبة إلى الخصوص وهو ضد العموم الذي هو بمعنى الجمهور وتسمى بالنكت أيضًا.