فالعلم الباحث عن القواعد التي تصير الكلام دالًا على جميع المراد وواضح الدلالة عليه يدعى علم البلاغة، ثم إن هنالك محسنات للكلام متى اشتمل عليها اكتسب قبولًا عند سامعه ولما كان حسن القبول يبعث السامع على الإقبال على الكلام بشراشره وكان في ذلك عون على إيعاء جميع المراد جعلوا تلك المحسنات اللفظية من لواحق مسائل هذا العلم سواء كان حسنها عارضًا للفظ من جهة موقعه المعنوي [1] كالمطابقة في قول أبي ذؤيب الهذلي:
أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيى والذي أمره الأمر
أم كان حسنها عارضًا له من جهة تركيب حروفه كالجناس في قول الحريري:
سِمْ سِمَةً تحمد آثارها ... واشكر لمن أعطى ولو سِمْسِمَة
فكلها تسمى المحسنات وتوابع البلاغة ويلقبونها بالبديع.
(1) المراد بموقع اللفظ المعنوي أن معناه الموضوع له في اللغة هو هو بحيث لا تجد له خصوصية في اختلاف معناه حتى يصير من مسائل علم المعاني بل يوجد موقع يكون فيه لوقوع ذلك اللفظ أحسن من وقوع غيره فإنه لو قال (( أما والذي أبكى وأرشد ) )لكان وقوع لفظ أرشد أقل من وقوع لفظ أضحك وكذلك لفظ أبكى لو وقع مع قوله والذي أمات لم يكن له من الحسن ما كان له في موضعه الأول.