فهرس الكتاب
وتبقى المقولة بعد ذلك صحيحةً في ظنيَّات الشريعة مما يحتمل التأويل ويَسُوغ فيه الاجتهاد واختلف فيه العلماء ، وهذه هي التي عناها الإمامُ الشافعي - رحمه الله - بقوله:"قولي صوابٌ يحتمل الخطأ، وقولُ غيري خطأٌ يحتمل الصواب".
ومثل هذه الأمور الظنية لا تحتمل القطعية في التصويب والتخطئة ، ولا يجوز أن يكفّر فيها المخالف ، ولا أن يتهم بسببها في ديانته وأمانته ، ولا يجوز أن يُستحل فيها عرضه ، أو يُنتقصَ من كرامته وحقوقِه ، فضلًا عن استحلال دمه .
وقد خالف بعضهم قولَ سلفِ الأمة فقالوا: إن الحق يتعدد ، وهو تابع لاجتهاد المجتهد ، فما أدَّى إليه اجتهادُه فهو الحقُّ في الأصول والفروع ، وبعضُهم حَصَر تعدد الحق في الفروع دون الأصول .
وهذا القول نقضه أئمةُ الدين ، وأعلام الملّة ، وعلماء الشريعة ، وردوه بالنصوص الشرعية ، قال العلامة الشوكاني - رحمه الله -: « من قال إن كل مجتهد مصيب وجعل الحق متعددًا بتعدد المجتهدين، فقد أخطأ خطأً بينًا، وخالف الصواب مخالفة ظاهرةً » (58) .
وقال أيضًا - رحمه الله -: « وما أشنع ما قاله هؤلاء الجاعلون حكم الله متعددًا بتعدد المجتهدين ، تابعًا لما يصدر عنهم من اجتهاد ، فإن هذه المقالة مع كونها مخالفة للأدب مع الله عزّ وجلّ ومع شريعته المطهّرة؛ هي أيضًا صادرةٌ عن محض الرأي الذي لم يشهد له دليل ، ولا عضدته شبهةٌ تقبلها العقول ، وهي أيضًا مخالفة لإجماع الأمة، سلفها وخلفها » (59) .