الصفحة 28 من 35

وقد ساق الشوكاني - رحمه الله - كلامًا للقاضي يردُّ فيه على مقالةٍ للعنبري والجاحظ ، حيث نُقل عنهما القولُ بتعدد الحقِّ في الأصول والفروع: « إن أردتما بذلك مطابقة الاعتقاد للمعتقد؛ فقد خرجتما من حيّز العقلاء ، وانخرطتما في سلك الأنعام ، وإن أردتم الخروج من عهدة التكليف ونفي الحرج - كما نُقل عن الجاحظ - فالبراهين العقلية من الكتاب والسنّة والإجماع الخارجة عن حدِّ الحصر ترد هذه المقالة » (60) .

وقال ابن قدامة - رحمه الله - رادًا على ما ساقه الغزالي في المستصفى من قولِ الجاحظ برفع الإثم عمَّن اجتهد فأخطأ في الأصول: « أما ما ذهب إليه الجاحظ فباطل يقينا، وكفر بالله تعالى » (61) .

وهذا القول - أي القول بتعدد الحق - قولُ كثيرٍ من أهل الكلام وأهل البدع ، وبهذا نعلم أن الحقَّ واحدٌ لا يتعدد في الأصول والفروع على ما سبق ذكره .

إذًا فإنَّ التسليم بمبدأ (نسبية الحقيقة) ، وأن الحقيقةَ المطلقة لا يملكها أحدٌ ، وأن الحقائق التي يؤمن بها البشر نسبيةٌ محتملةٌ للخطأ كاحتمالها للصواب على سواء ، لهو تسليم يناقض أصول الدين الحنيف ، وقواعد الشرع المطهر ، وأدلة الوحي الكريم .

وبالنظر إلى مبدأ"نسبية الحقيقة"في الفكر الليبرالي نجده يَغرق في تناقضاتٍ عديدة ، منها:

1.إذا كانت الحقيقةُ نسبيةٌّ؛ فإن عبارة"كل حقيقة نسبية"تعتبر عبارة مطلقة، والنسبيةُ ترفض المطلق، فالعبارة متناقضة في ذاتها، وعليه فإن مبدأ"كل حقيقة نسبية"باطل.

وكذا فإن القول بـ"نسبية الحقيقة"يرفضه الواقع ، فهناك حقائق كثيرة مطلقة لا تحمل النسبية اتفاقًا ، فالشمس محرقة، والسماء فوقنا، والإنسان ناطق نامي وغير ذلك من الحقائق التي يصعب حصرها .

2.أن ما كان حقًا لديك ليس حقًا لدي: فالحق لدي أن النسبية باطلة ، فإذا قلت لي: لا، هذا ليس صحيحًا. فهذا يلغي المبدأ الذي قررتْه النسبية ، وعليه فإن النسبية باطلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت