ويقول الأستاذ غازي التوبة: « نسبية الحقيقة إحدى الركائز التي تقوم عليها الثقافة الغربية منذ نهضة أوروبا الحديثة ، ويربط المفكرون الغربيون بين تلك الركيزة وتغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المحيطة بالمجتمع ، ويعتقدون أن تغير الحقائق الحياتية يقتضي نسبية الحقيقة » (16) .
ثانيًا / منشأ القول بـ"نسبية الحقيقة":
هذا القولُ أنشأه الفلاسفة السوفسطائيين (17) - وعلى رأسهم الفيلسوف بروتاغوراس - الذين ظهروا في اليونان ما بين القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد ؛ حيث كانت اليونان تغرق في بعضَ الأفكارِ المتباينة ، والمذاهبَ المتنوعة ؛ فلجؤا إلى هذا القَولِ في تأييدِ الآراءِ المتناقِضَة ؛ إما شكًا في الجميع ، أو تخلصًا من جُهد طلب الحقيقة .
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: « حُكي عن بعض السوفسطائية أنه جعل جميع العقائد هي المؤثرة في الاعتقادات ، ولم يجعل للأشياء حقائق ثابتة في نفسها يوافقها الاعتقاد تارة ويخالفها أخرى ، بل جعل الحق في كل شيء ما اعتقده المعتقد ، وجعل الحقائق تابعة للعقائد » (18) .
يقول الدكتور علي سامي النشار: « نسبية كل شيء قال بها بروتاغوراس السوفسطائي حين أراد أن ينقد أصول المعرفة:"إن الإنسان هو مقياس وجود ما يوجد منها ومقياس وجود ما لا يوجد"ثم أخذ بهذا الشُكَّاك بعد ، فطبقوها على الحد كما طبقوها على نواحي العلم كله ، فلم تعد حقيقة من حقائق العلم ثابتة أو مستقرة ، بل كل شيء -كما يقول هرقليطس- في تغير مستمر » (19) .
وقد أظهر أفلاطون هذا المبدأ ، فقال:"تظهر الأشياء لي ، كما توجد بالنسبة لي ، وتظهر الأشياء للآخرين ، كما توجد بالنسبة لهم"فالنسبية تقرر أنه لا يوجد هناك حقيقةٌ مطلقة ، فما أعتقده فهو حقيقة بالنسبةِ لي ، وما تعتقده هو الحقيقةِ بالنسبةِ لك ، فليس هناك خطأ .