وكما أن التكفير موجود ، فالإرجاء أمره أظهر وأبين فإنه انتشر في الأمة في العصور المتأخرة انتشارًا قويًا ، وحسبك أن تعلم أن الأشاعرة والماتريديّة يتبنون هذا الفكر [1] ، لتعلم بعد ذلك كم من المعاهد الإسلامية الكبرى قد تبنَّت هذا الاتجاه .
المقدمة الثانية: تغيير الظاهر لا يغير الباطن .
فإن من المعول عليه أن العبرة بحقائق الأشياء ومعانيها وليس بصورها ومبانيها ، ولذا كان مما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيشرب ناسٌ من أمته الخمر يسمونها بغير اسمها [2] .
وهذا العصر شهد ظهورًا للتكفير والإرجاء وقد ألبس ثياب منهج السلف ؛ فنسب إليه واستدل بأقوالهم على إثباته وادعى بأنه هو اعتقاد الفرقة الناجية وربما ترك من الاتجاه أفكارًا معينة لتبرأ ساحة معتقده إذ لا يوافقهم في هاتيك الأفكار .
مع أنه لا يلزم عند نسبة طائفة إلى اتجاه عقدي أن تتلاقى جميع الأفكار بينهما بل العبرة في الاتفاق في أساس الاتجاه ولذا لما عدد العلماء الفرق المبتدعة ردوها إلى فرقٍ أمات لها مع التفاوت بينها في الآراء .
وما ذكر أبو الحسن الأشعري المرجئة ذكر اختلافهم في الإيمان على اثنتي عشرة فرقة [3] . وكذلك لما شرع في مقالات الخوارج ذكر جماع رأيهم ثم اختلافهم بعد ذلك وتكفير بعضهم لبعض [4] !
(1) فعند جمهور الأشاعرة أن الإيمان هو التصديق فقط ، وقيل ومعه إقرار اللسان وعليه الماتريدية ولهم تفصيل . انظر: شرح الطحاوية لعبد الغني الميداني ص 98 ؛ نظم الفرائد في المسائل الخلافية بين الماتريدية والأشاعرة لشيخ زاده ص 225 .
(2) سنن ابن ماجة ( 3385 ) ؛ مسند أحمد ( 5/318 ) عن عبادة بن الصامت ؛ سنن ابن ماجة ( 3384 ) عن أبي أمامة ؛ صحيح ابن حبان ( 15/ 160 ) ؛ سنن أبي داود ( 3688 ) ؛ مسند أحمد ( 5/432 ) عن أبي مالك الأشعري وله طرق .
(3) مقالات الإسلاميين ( 1/213 ) .
(4) المصدر السابق ( 1/167 ) .