فهرس الكتاب
فالتزموا ما قالته المعتزلة , وركبوا مكابرة العيان , وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة: المسلم والكافر , وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام ,وإنما سمي ذلك كلاما على المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه , وحقيقة الكلام معنى قائم بذات المتكلم ؛ فمنهم من اقتصر على هذا القدر , ومنهم من احترز عما علم دخوله على هذا الحد فزاد فيه - تنافي السكوت والخرس والآفات المانعة فيه من الكلام - ثم خرجوا من هذا إلى أن إثبات الحرف والصوت في كلام الله تجسيم , وإثبات اللغة فيه تشبيه , وتعلقوا بشبه منها قول الأخطل:
إن البيان من الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
فغيروه وقالوا: إن الكلام من الفؤاد .... .
"درء التعارض" (2>86)
ثم قال شيخ الإسلام: وإنما اضطر ابن كلاب و الأشعري , ونحوهما إلى هذا الأصل: أنهم لما اعتقدوا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا تكلم , ولا غير ذلك , وقد تبين لهم فساد قول من يقول: ( القرآن مخلوق ) ولا يجعل لله تعالى كلامًا قائمًا بنفسه بل يجعل كلامه ما خلقه في غيره , وعرفوا أن الكلام لا يكون مفعولًا منفصلًا عن المتكلم , ولا يتصف الموصوف بما هو منفصل عنه بل إذا خلق الله شيئًا من الصفات , والأفعال بمحل كان ذلك صفة لذلك المحل لا لله ؛ فإذا خلق في محل الحركة كان ذلك المحل هو المتحرك بها , وكذلك إذا خلق فيه حياة كان ذلك المحل هي الحي بها , وكذلك إذا خلق علما أو قدرة كان ذلك المحل هو العالم القادر بها ؛ فإذا خلق كلامًا في غيره كان ذلك المحل هو المتكلم به .
وهذا التقرير مما اتفق عليه القائلون بأن القرآن غير مخلوق من جميع الطوائف مثل أهل الحديث والسنة ومثل الكرامية والكلابية وغيرهم .