فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 162

وقال رحمه الله: وبهذا التحرير يزول الإشكال في هذه المسألة ؛ فإن الموجب بذاته إذا كان أزليًا يقارنه موجبه فلو كان الرب تعالى موجبًا بذاته للعالم في الأزل لكان كل ما في العالم مقارنًا له في الأزل , وذلك ممتنع بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فكل ما شاء الله وجوده من العالم ؛ فإنه يجب وجوده بقدرته ومشيئته , وما لم يشأ يمتنع وجوده إذ لا يكون شيء إلا بقدرته ومشيئته وهذا يقتضي وجوب وجود ما شاء تعالى وجوده .

ولفظ الموجب بالذات فيه إجمال ؛ فإن أريد به أنه يوجب ما يحدثه بمشيئته وقدرته فلا منافاة بين كونه فاعلا بالقدرة والاختيار ؛ وبين كونه موجبًا بالذات بهذا التفسير , وإن أريد بالموجب بالذات أنه يوجب شيئًا من الأشياء بذات مجردة عن القدرة والاختيار فهذا باطل ممتنع , وإن أريد أن علة تامة أزلية تستلزم معلولها الأزلى بحيث يكون من العالم ما هو قديم بقدمه لازم لذاته أزلًا وأبدًا - الفلك أو غيره - فهذا أيضًا باطل .

فالموجب بالذات إذا فسر بما يقتضى قدم شيء من العالم مع الله أو فسر بما يقتضي سلب صفات الكمال عن الله فهو باطل , وإن فسر بما يقتضى أنه ما شاء كان , وما لم يشأ لم يكن فهو حق ؛ فإن ما شاء وجوده فقد وجب وجوده بقدرته ومشيئته لكن لا يقتضي هذا أنه شاء شيئا من المخلوقات بعينه في الأزل بل مشيئته لشيء معين في الأزل ممتنع لوجوه متعددة .

ولهذا كان عامة العقلاء على أن الأزلي لا يكون مرادًا مقدورًا , ولا أعلم نزاعًا بين النظار أن ما كان من صفات الرب أزليًا لازمًا لذاته لا يتأخر منه شيء لا يجوز أن يكون مرادًا مقدورًا , وأن ما كان مرادًا مقدورًا لا يكون إلا حادثًا شيئا بعد شيء , وإن كان نوعه لم يزل موجودًا أو كان نوعه كله حادثا بعد أن لم يكن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت