فهرس الكتاب
من هذا يحق لنا القول بأن هشاما لم يرث حكما هانئا من أبيه فحسب، بل استهل حكمه بمبادرات لم يتمكن عبدالرحمن نفسه من القيام بها، ومحصلة القول هي أن عبدالرحمن هيأ لهشام أرضا مهيأة للبذر، وما كان على هشام سوى استزراعها، وإنبات ثمارها.
في هذا الصدد يمثل حرص هشام على تكملة توسعة مسجد قرطبة التي شرع عبدالرحمن في بنائها، دلالة أخرى على تداخل العهدين، ووحدة أهدافهما. فعبدالرحمن وإن كان قد هدف من بناء المسجد، على أرض مسجد، كان قد أنشئ في موقعه قديما، منذ أيام ثاني ولاة الأندلس، أيوب بن حبيب، [1] إلى بناء مسجد جامع يلبي حاجة سكان عاصمته، إلا أن المسجد وفي أواخر أيامه غدا أيضا مركزا للتبادل الفكري؛ حينما عقدت حلقات الدروس فيه، وأقبل على الحلقات طلاب العلم، سواء من قرطبة أو خارجها، ليضاف بذلك مهمة أخرى إليه، فضلا عن صفته كمسجد جامع، وهي مهمة جامعة قرطبة؛ وهو دور اضطلع به المسجد، في عصور الأندلس اللاحقة. ولعل هشاما، وهو مدرك أيضا للتوقعات المعقودة عليه، رأى في توسعة المسجد، وإضافة مساحات فيه، توافقا مع مهماته المضافة. ويخبرنا المقري أن هشاما انتفع من غنائم غزوات مناطق نصارى الشمال، في الصرف على تكملة بناء الجامع، وترميم منشآت عمرانية أخرى في قرطبة، مثل قنطرة قرطبة، على نهر الوادي الكبير. [2]
(1) انظر بحثنا"رؤية جديدة لولاية أيوب بن حبيب اللخمي وأسباب نقل عاصمة الأندلس من إشبيلية إلى قرطبة،"مجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية، مدريد (تحت النشر) .
(2) المقري، نفح الطيب، 1: 337-338؛ ويشير المؤلف المجهول إلى أن رجلا أوصى -في زمن هشام- بمال في فك سبية من أرض العدو، فطلبت فلم توجد، احتراسا منه بثغره، واستنفاذا لمن سبى، وضعفا من عدوه عنه، أخبار مجموعة، 106.