الصفحة 59 من 76

ولعل من الأسباب التي أدت إلى ترسيخ صورة هشام المرضية عند المؤرخين، هو إقرانه النوايا الحسنة بالعمل، والشواهد الدالة على هذا الجانب هي في الحقيقة غنية ومتعددة. ابن عذاري، مثلا، يختم حديثه عن هشام، ناقلا مما كان يتواتر عنه:"أدركت صدرا من الناس يحكون أن أيام هشام هذا كانت من الدعة والعافية والهدوء بحيث لم يعلم لها مثل، وكان يحضر الجنائز، ويزاحم فيها، كأنه أحد من الناس، تواضعا." [1] ويزيد صاحب أخبار مجموعة:"وكان هشام يصر الصرر بالأموال، ويبعث بها في ليالي المطر والظلمة إلى المساجد، فتعطى من وجد فيها، يريد بذلك عمارة المساجد." [2] [3] ولم تكن أعماله تلك تقتصر على قرطبة وبعض مدن الأندلس الكبرى، بل تشمل النواحي أيضا، ويشير المقري إلى هذا بقوله:"وكان -هشام- يبعث بقوم من ثقاته إلى الكور، فيسألون الناس عن سير عماله، ويخبرونه بحقائقها، فإذا انتهى إليه حيف من أحدهم، أوقع به وأسقطه، وأنصف منه، ولم يستعمله بعد ذلك. [4] [5] وقد أُثر عن هشام قوله:"إن النصفة للمظلوم لا تكون من الظالم دون تسليط الحق عليه." [6] [7] وقد اعترض له يوما متظلم من أحد عماله ... فبعث إلى الشاكي، وقال له:"أحف عليّ كل ما ظلمك فيه." [8] "

(1) ابن عذاري، البيان المغرب، 2: 62 0

(2) المؤلف المجهول، أخبار مجموعة، 110؛ ويضيف ابن عذاري"أن هشاما كان يقوم بالمهمة بنفسه،حيث يخرج بها بين المغرب والعشاء يتفقد المسجد،"البيان المغرب، 2: 66.

(4) المقري، نفح الطيب، 1: 336.

(6) انظر الواقعة التي قيلت العبارة فيها، المؤلف المجهول، أخبار مجموعة ،110.

(8) ابن القوطية، تاريخ افتتاح الأندلس، 57.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت