الصفحة 60 من 76

إن بلوغ الحرص حدا عاليا في هشام في سبيل إرضاء الآخرين من اليسير الاستدلال عليه من غير رواية تلمح إلى قوة الرغبة عنده، حتى تكاد تقترن مع راحته النفسية في تحقيقها. فهو مثلا، فيما يبدو، كان قد بقي في نفسه شيء لما أوقعه على الشاعر أبي المخشى من سمل عينيه، أو قطع لسانه، كما مر بنا ذلك، وعليه،"فإنه حينما صار الأمر إليه، رحمه الله، بعث به، إذ كان غمه ما حدث عليه بسببه، فأعطاه الدية مضاعفة. [1] [2] ولكن برغم قوة الدلالة التي نستشفها على رحمة هشام فيما انتهى إليه الأمر بينه وبين أبي المخشى، إلا أن واقعة ما حدث إثر تجديده لقنطرة قرطبة، تظل برهانا أقوى على ما كان يبديه هشام من حرص زائد على إرضاء الناس؛ وإن كان ذلك تضحية منه براحته الخاصة. فمما يروى في هذا الشأن، أنه قال يوما لأحد وزرائه: ما يقول أهل قرطبة؟ أي في شأن القنطرة، فقال، يقولون: ما بناها الأمير إلا ليمضي عليها إلى صيده وقنصه، فآلى هشام على نفسه أن لا يسلك عليها، فلم يمر عليها بعد، ووفى بما حلف عليه. [3] [4] ولعل من المستحسن أن نختم حديثنا عن فضائل هشام بإثبات حسنة محسوبة له، وهي أنه"لم يُقتل أحد من جنده في شيء من ثغوره أو جيوشه إلا ألحق ولده في ديوان أرزاقه." [5] "

(1) ابن القوطية، تاريخ افتتاح الأندلس، 57.

(3) المقري، نفح الطيب، 1: 338. ويروي ابن الخطيب مضيفا أن هشام حينما بلغه ذلك، حلف أن لا يجوز عليها إلا لغزو في سبيل الله أو مصلحة. والمثير للانتباه هنا هو تعليق ابن الخطيب للواقعة بقوله إن هذا هو شأن الناس مع أرباب الدول، واستشهد بقصة الرجل وابنه وحمار لهما، وما كان من مواقف الناس منهما، الإحاطة، 1: 120.

(5) المؤلف المجهول، أخبار مجموعة، 106.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت