[يُطَهّرهُ ما بَعْده] يعني: لو مرّت المرأة بعباءتها على نجاسة، ثم مرّت على موضع يابس أو على تراب يابس؛ فإن احتكاك هذا الثوب بالتراب يعتبر منظفًا له، كما لو صبّ الماء عليه، ولما كان الصحابة رضي الله عنهم يعلمون أنه سيمر على تراب، واستنكروا بقاء هذه النجاسة مع كونه يمرُّ على تراب دلّ هذا على أن الأصل في النجاسات أنها تغسل، إِذْ لو كانت بكل طاهر تزول لما استشكل الصحابة رضي الله عنهم كون المرأة تمرُّ بعباءتها، وتجرها على الأرض اليابسة.
إذا ثبت هذا؛ فإن الدّلك في الأصل غير مزيل للنجاسة إلا ما ورد الشرع باعتباره فيه مزيلًا كما في مسألة الحذاء، وثوب المرأة.
قوله رحمه الله: [ولا استحالة غير الخمرة] : الإستحالة: إستفعال من التحوّل، وهو الانتقال، والتبدل، والإستحالة تكون بنفس الشيء فتتحول المادة النجسة مع مرور الزمن إلى طاهرة، وقد تتحول بفعل فاعل.
فأما ما كان من الإستحالة ناشئًا من نفس الشيء فالأصل أنه متنجس لا يحكم بطهارته إلا بالغسل إعمالًا للأدلة الشرعية التي أمرت بغسل النّجس، إلا أن الشرع استثنى الخمر إذا تخلّلت بنفسها كما سيأتي بإذن الله.
وأما ما كان من الإستحالة ناشئًا من فعل المكلف؛ فإنْ كان بصبّ الماء الطهور، أو الطاهر على الماء المتنجس بأكثر منه حتى يغلب على الظن تغيّره به، فإن كان طهورًا صار الماء المتنجس طهورًا بالمكاثرة، وإن كان طاهرًا صار طاهرًا كذلك، وهذا النوع راجع إلى تطهير النجاسة بالماء، ولا إشكال فيه، وقد ثبتت السنة باعتبار أصله، كما في حديث أنس رضي الله