الصفحة 65 من 185

لهذا نقول التوكل هو ما يجمع شيئين أولا تفويض الأمر إلى الله جل وعلا, لأن الله هو الذي بيده الملك. الثاني عدم رؤية السبب الذي فُعل.

إذن لا بد من فعل السبب, ويقوم بالقلب عدم رؤية لهذا السبب أنه ينتج المقصود وحده, وإنما يعلم أنه جزء مما ينتج المقصود, والباقي على الله جل وعلا ثم يفوض الأمر لله جل وعلا, هذا ينتج لك أن التوكل عبادة قلبية محضة, ولهذا صار صرفه لغير الله جل وعلا شرك, بمعنى أن يفوض الأمر لغير الله جل وعلا, كما يقول بعض مشايخ الصوفية لبعض مريديهم: إذا أُصبت بمصيبة فاذكرني فإني أخلِّصك منها. أذكرني يقم بالقلب ذلك المتذكَّر, ذلك المذكور, وإذا قام به أنه يخلصه من ذلك الشيء, فمعناه أنه فوض الأمر إليه, وصار متوكلا على غير الله جل وعلا, وهذا هو حقيقة ما يفعله المشركون في الجاهلية ومن شابههم ممن بعدهم, (ودليل التوكل قوله تعالى ?وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ? [المائدة:23] ) ، ففي هذه الآية الأمر بالتوكل, وما دام أنه أمر به فهو عبادة؛ لأن العبادة ما أُمر به من غير اقتضاء عقلي ولا اطراد عرفي, وما دام أنه أمر به فهو راض له أن يُتوكل عليه, وهذا معناه كونه عبادة, ثم أيضا في هذا الدليل أنه جعل التوكل شرطَ الإيمان, فقال (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) فمعنى ذلك أنه لا يحصل الإيمان إلا بالتوكل على الله وحده. أيضا هنا قدم الجارّ والمجرور فقال (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا) وتقديم ما حقه التأخير في علم المعاني يفيد الحصر والقصر, أو يفيد الاختصاص، وهنا يفيدهما؛ يفيد الاختصاص, ويفيد القصر والحصر, فمعنى هذه الآية بقوله (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا) يعني أحصروا توكلكم في الله, اقصروا توكلكم على الله إن كنتم مؤمنين, خُصُّوا الله بتوكلكم إن كنتم مؤمنين, وهذه الآية، هذا الدليل مركب من نوعي الدليل الذَين ذكرتهما لك من قبل, النوع الأول: إثبات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت