وطلب العوذ -نعم- يكون باللسان, بقول أحد لآخر: أعوذ بك, أعذني ونحو ذلك. ولكنها هي تقوم بالقلب؛ يعني يقوم بالقلب الاعتصام بهذا المطلوب منه العوذ, يقوم بالقلب الالتجاء لهذا المطلوب منه العوذ, يقوم بالقلب التحرز بهذا المطلوب منه العوذ, فإذا قام بالقلب هذه الأشياء وهذه الأمور صار مستعيذا، ولو لم يُفصح لسانه بطلب العوذ, يعني أنها عبادة قلبية, الاستعاذة عبادة قلبية؛ لأن حقيقتها طلب العوذ, فإذا قام بالقلب اعتصامه بالله احترازه وتحرُّزُه بالله, التجاءه إلى الله من شر من فيه شر, صار ذلك استعاذة، قد يُفصح اللسان عنها, يطلب اللهم أعذني من مُضِلاَّت الفتن, بقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, أعوذ برب الفلق. ونحو ذلك, أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، يعني ألتجئ وأعتصم وأتحرز بكلمات الله الكونية التامة التي لا يلحقها نقص من شر كل من فيه شر, مما خلقه الله جل وعلا ونحو ذلك.
لأجل هذا المعنى قال جمع من أهل العلم: إنه لا يجوز أن يقول قائل أعوذ بالله ثُم بك. وذلك لأن العوذ عبادة قلبية, وهذا هو الصحيح, فإن العوذ إذا قيل أعوذ بالله ثم بك, الاستعاذة عمل قلبي بحت, لهذا لا يصلح أن يتعلق بغير الله جل وعلا.
وقال آخرون من أهل العلم: الاستعاذة طلب للَّجَئ والاحتراز والاعتصام, وقد يكون المطلوب منه يمكن ويملك أن يعطي هذا معتصما, وأن يقيه شرا, مثلا: يأتي واحد من الناس إلى قوي من الناس إلى كبير, ملك, أو أمير أو رئيس قبيلة أو نحو ذلك, فيقول له أعوذ بك، أو أعوذ بالله ثم بك من شر هذا الذي أتاني؛ رجل مثلا يأتي يطلبه بشيء, يقولون هذا يمكن أن يكون؛ يعني أن يقيه شرا أن يمنعه ممن يريد به سوءا, يمكن أن يكون ممن يقدر عليه البشر, فإذا كان بهذا المعنى يجوز أن يقول أعوذ بك بمخلوق, أعوذ بالله ثم بك بمخلوق.