ولكن قَول أعوذ بك, هذا أبعد في الإجازة, وأما قول أعوذ بالله ثم بك, فهذا من راع المعنى الظاهر, وإمكانَ المخلوق أن يعيذ صححه وقال لا بأس أن يقول: أعوذ بالله ثم بك، ولكن الأظهر أن العوذ عبادة قلبية, وأنها إنما تكون بالله جل وعلا, وهذا على نحو ما مرنا بقوله: توكلت على الله ثم عليك ونحو ذلك, فمن أهل العلم من يجيز مثل هذه الألفاظ مع أن أصلها عمل قلبي؛ عبادة قلبية, مراعيا الظاهر ما يراعي تعلق القلب, مُراعيا الحماية الظاهرة، مُراعيا التحرز الظاهر, مُراعيا الاعتصام الظاهر, ومنهم من لم يجزْها مراعيا أنها عبادة قلبية, وأنك إذا أجزتها في الظاهر فإنه قد يكون تبعا لذلك الإجازة تعلق القلب عند من لا يفهم المراد.
وعلى العموم هما قولان مشهوران حتى عند مشايخنا المفتين في هذا الوقت ومن قبل.
يقابل الاستعاذة التي هي طلب العوذ, لأن طلب العوذ من شيء فيه شر, لهذا قال تعالى ?قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ? [الناس:1-4] , فالاستعاذة مما فيه شر. وأما اللّياذ, واللَّوذ فإنه مما فيه خير, قال: ألوذ بك. يعني إذا كنت مؤملا خيرا, وإذا كنت خائفا من شر تقول لربك جل وعلا: أعوذ بك, وإذا كنت مؤملا خيرا تقول ألوذ بك وهكذا, ثم ذكر الاستغاثة، أولا الدليل, قال (دليل الاستعاذة قوله تعالى(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ) ) وجه الاستدلال أنه أمر نبيه الكريم أن يستعيذ برب الناس, ما دام أنه أمر به فهو عبادة قلبية, لأنه لا يأمر إلا بشيء يحبه ويرضاه, فذلك قوله تعالى ? فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ? [النحل:98] أمر بالاستعاذة به فدل على أنها عبادة.