المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإن القرآن العظيم كتاب الله يهدي للتي هي أقوم وإلى صراط مستقيم {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (الإسراء: 9) إن من خصائص هذه الأمة المحمدية أنها أمة القرآن تحمله في قلوبها وتطبقه في حياتها وترجع إليه في كافة شؤونها؛ لذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ فجر الإسلام يربي أصحابه على القرآن العظيم تلاوة وحفظًا وتدبرًا وعملًا وتطبيقًا يقول تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (الجمعة:2) [1] .
والرسول - صلى الله عليه وسلم - كان خلقه القرآن، وقد امتدحه ربه فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم: 4) لذا نجد أن الصحابة رضوان الله عليهم هم أفضل الخلق من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنهم عاصروا التنزيل وفهموا التأويل فظهر أثر ذلك جليًا على تربيتهم وأخلاقهم
وقد كتبت هذا البحث الموسوم (الأثر التربوي والأخلاقي لتعليم القرآن الكريم على الفرد والمجتمع)
لأبين فيه بعض الآثار التربوية والأخلاقية لتعلم القرآن الكريم وتعليمه على الفرد والمجتمع
أسأل الله العلي العظيم أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا إنه سميع مجيب وبالإجابة جدير وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المبحث الأول: آثار تعليم القرآن الكريم التربوية
المطلب الأول: مفهوم التربية
قبل الحديث عن مفهوم التربية أود التحدث عن أصل الإنسان وطبيعته التي بينها الله تعالى في كتابه فالطبيعة الإنسانية تتكون من عدة عناصر وتركيبات فأصل خلقته من طين وهو مخلوق من ماء مهين والله تعالى يقول في كتابه {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} (المؤمنون: 12) .
ويبين ذلك مفصلًا بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} (الحج: 5)
(1) مسؤولية الآباء تجاه الأولاد ص 173.