بسم الله الرحمن الرحيم خطبة الجمعة في المسجد النبوي بالمدينة النبوية لفضيلة الشيخ: حسين آل الشيخ
بتاريخ: 24- 9-1423هـ
وهي بعنوان: في وداع رمضان
الحمد لله العلي الأعلى, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الآخرة والأولى, وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله, النبي المصطفى والعبد المجتبى, اللهم صلي وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن بهديه اهتدى.
أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله جل وعلا، فمن اتقاه وقاه، وأسعده وأرضاه.
أيها المسلمون، ما أسرع ما تنقضي الليالي والأيام، وما أجل ما تنقلم الشهود والأعوام، وهذه سُنة الله في الحياة، أيام تمر وأعوام تكر كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ ?لْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88] ، في تقلب الدهر عبر، وفي تغير الأحوال مدّكر.
إخوة الإيمان، شهر رمضان أوشك تمامٍ، وقرب إحسان ختامه، تقوضت صيامه، وتصرمت لياليه وأيامه، قرب رحيله، وأذن تحويله ولم يبق منه إلا قليل، انتصف مودعا، وسار مسارعا، ولله الحمد على ما قضى وأبرم، وله الشكر على ما أعطى وأنعم، تنطوي صحيفة رمضان وتقوض سوقه العامرة بالخيرات والحسنات، وقد ربح فيه من ربح وخسر من خسر.
تصرم الشهر وآه لهفاه وانهزما واختص بالفوز بالجنات من قدما
طوبى لمن كانت التقوى بضاعته في شهره وبحبل الله معتصما
فاستدركوا رحمكم الله بقيته بالمسارعة إلى الخيرات، واغتنام الفضائل والقربات.
عباد الله، شهركم عزم على النقلة، ونوى الرحلة، وهو ذاهب بأفعالكم، شاهدًا لكم أو عليكم بما أودعتموه، فيا ترى تراه يرحل حامد الصنيع أو ذامًا التضييع؟!! فمن كان أحسن فعليه بالتمام، ومن كان فرّط فليختكم بالحسنى فالعمل بالختام.
أيها المسلمون، تشريعات الإسلام تتضمن أسرارًا لا تتناهى، ومقاصد عالية لا تبارى، وإن من فقه مقاصد الصوم كونه وسيله عظمى لبناء صفة التقوى في وجدان المسلم بأوسع معانيها وأدق صورها ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ?لصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ?لَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] .
فهل يا ترى نأخذ من رمضان مدرسة نستلهم منها شدة العزم وقوة الإرادة على كل خير؟! توظيبًا للسلوك وتقويمًا للنفوس، وتعديلًا للغرائز وتهذيبًا للظواهر والبواطن، وصفاءً ونقاءً للأعمال والضمائر، تمسكًا بالخيرات والفضائل وتحليًا بالمحاسن والمكارم، حينئذ يخرج المسلم من صومه بصفحة مشرقة بيضاء، نافعة في حياته، مفعمة بفضائل الأعمال ومحاسن الأفعال، ومكارم الخصال، غدا الصوم لنفسه حمىً أمينًا، وحصنًا حصينًا من الذنوب والآثار، فصفت روحه، ورق قلبه، وصلحت نفسه، وتهذبت أخلاقه.
إخوة الإسلام، في استقبال شهر رمضان وتوديعه فرص للتأمل، ووقفات للنظر، فعسى الأمة الإسلامية أن تدرك وضعها، وتسعى في الإصلاح، وتقوي ما ضعف، وتعالج ما أختل، فالصوم ورمضان فترات رائعة، لو صادفت اعتبارًا، ولاقت استغلالًا، مع صدق في النوايا والمقاصد، وإصابٍةٍ في الاتجاه والمناهج.
أيها المسلمون، ما أحوج الأمة في أيام محنها وشدائدها وأزمات ضعفها وذلها إلى وقفات عندما تمر بها مناسبة كرمضان، لتستلهم العبر والعظات لتجدد العزم على المجاهدة الحقة للشيطان، وتحقق المسيرة الصحيحة للسير على الصراط المستقيم؛ ليعم بها التوجه على محاربة كل بغي وفساد بشتى صوره، واختلاف أشكاله.
إخوة الإسلام، رمضان مدرسة للأمة الإسلامية يجب ألا يخرج منها إلا بإصلاح للأوضاع، ومراجعةٍ لمواطن الخلل في جميع أمورها دينيًا ودنيويًا، فجدير بالأمة حكامًا ومحكومين ـ وهم تحيط بهم الفتن وتتكاثر عليهم المحن، جدير بهم وأمتهم تعاني من جراحات كبرى وتعيش مصائب عظمى ـ أن يجعلوا من هذا الشهر الكريم نقطة تحول من حياة الفرقة والاختلاف إلى الاجتماع والائتلاف، جدير بهم، وهم اتباع محمد ، جدير بهم أن يتخذوا من هذا الشهر مرحلة تغير، مرحلة جادة إلى موافقة المنهج الحق في جميع شؤونهم على ضوء كتاب ربهم وسنة نبيهم .
عباد الله، حري بالأمة أن لا يمر بها هذا الشهر دون استلهامٍ لحكمه، والإفادة من معطياته، والنهل من ثمراته وخيراته، والاستفادة من فضائله النيرة، وآثاره الخيرة؛ ليتمثل الإسلام الحق في حياتها واقعًا ملموسًا، وعملًا مشاهدًا محسوسًا، وما ذلك على الله بعزيز.
أمة الإسلام، رمضان يذكرنا شدة جود المصطفى بكل أنواع الخيرات، وبشتى أوجه القربات، وأسمى الصفات الزاكيات، كان رسول الله أجود الناس وكان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان، فهل يا ترى ينطلق في حياتنا من منطلق صدق من سيرته في جميع لحظاتنا وشؤوننا؟! فسيرته عليه الصلاة والسلام هي الشمس الساطعة، والمشعل الوضاء والنور المتألق، الذي يبدد ظلمات الانحرافات كلها، والاضطرابات جميعها، فحاجة الأمة إلى معرفة السيرة العطرة أشد ما تكون في هذا العصر، الذي تقاذفت فيه الأمة أمواج المحن وتشابكت فيه حلقات الفتن، وغلبت فيه الأهواء، واستحكمت المزائن والآراء، وواجهت الأمة فيه ألوانًا من التصدي السافر، والتحدي الماكر، والتأمر الرهيب، فحينئذ لا بد أن يعيش حب الرسول في قلوبنا، وأن نتبعه ببصائرنا وآمالنا، وتوجهاتنا في كل لحظة من لحظاتنا.
أيها المسلمون، أمة محمد ألا فلنأخذ من سيرته عليه الصلاة والسلام ما يزيد إيماننا، ويزكي سيرتنا ويعلى أخلاقنا، ويقوّم مسيرتنا، ويصلح أوضاعنا أخذ حقيقيًا لا صوريًا شكليًا، فالله جل وعلا يقول: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ?للَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو ?للَّهَ وَ?لْيَوْمَ ?لاْخِرَ وَذَكَرَ ?للَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21] .
بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعنا بما فيه من البيان، أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب. فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
أما بعد:
فيا إخواني المسلمون، اتقوا الله وأطيعوه، فتقواه هي التجارة الرابحة، وطاعته هي السعادة الباقية.
أيها المسلمون، فُرضت عليكم صدقة الفطر طهرة من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين ففي البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: (فرض رسول الله زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير، على العبد والحر والذكر والأنثى والكبير والصغير من المسلمين) . وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس من المصلى، فيجب على المسلم إخراجها عن نفسه، وعمن تلزمة نفقته من الزوجة والأولاد والأبوين، ويستحب استخراجها عن الجنين، ومقدارها الواجب صاع من البر، أو الشعير، أو الأقط، أو التمر، أو الزبيب، ويجزى غيرها مما يطعمه الناس كالأرز ونحوه.
ففي البخاري من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: (كنا نخرج على عهد رسول الله يوم الفطر صاعًا من طعام) ، ولا يجزئ إخراجها قيمة كأن يدفع دراهمًا بدل الإطعام؛ لأنه خلاف النص وكل عمل ليس عليه أمر النبي فهو مردود، والأفضل إخراجها ما بين صلاة الفجر وصلاة العيد، وإن إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين جائز، تخرج في المكان الذي فيه الصائم، ولا بأس أن يوكل من يخرجها عنه في بلده إذا كان مسافرًا خاصة عند وجود المصلحة الراجحة، والمنفعة الظاهرة.
إخوة الإسلام، من حسن التوديع لهذا الشهر الكريم الإكثار من التكبير فالله جل وعلا يقول: وَلِتُكْمِلُواْ ?لْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ ?للَّهَ عَلَى? مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:185] .
وقال أهل العلم:"ويسن التكبير ليلة العيد في خلوات الناس ومجامعهم يجهر به الرجال وتسر به النساء".
يكبر المسلم حتى يقضى صلاة العيد كما جاء ذلك في الأثر، والمنقول عن أكثر الصحابة رضي الله عنهم في صفات التكبير.
الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.
وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول في التكبير: (الله أكبر الله أكبر والله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر وأجل، الله أكبر على ما هدانا) رواه البيهقي بسند صحيح، وفي مصنف عبد الرزاق، والسنن الكبرى بسند صحيح عن سلمان الخير قال: (كبروا الله، الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرًا) .
ألا وإن من أفضل الأعمال وأزكاها عند ربنا جل وعلا، الصلاة والسلام على النبي الكريم اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين ...