بسم الله الرحمن الرحيم خطبة الجمعة في المسجد الحرام بمكة المكرمة لفضيلة الشيخ: سعود الشريم
بتاريخ: 17- 8-1425هـ
وهي بعنوان: وصايا للمستثمرين
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله وخيرته من خلقه، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأوصيكم ـ أيّها الناس ـ ونفسي بتقوَى الله سبحانه ومراقبتِه في السّرِّ والعلن والاستعداد ليوم المعاد، فإنَّ السّاعةَ آتية لا ريبَ فيها، وإنَّ الله يبعث مَن في القبور.
عبادَ الله، إنّ تنافسَ الناس في نيلِ مطامعِ الدّنيا لهو الدَّيدَن المعهود في غابِرِ الأزمان وحاضِرها، وإنِّه ليزدَاد هذا التنافُس معَ الطّمَع كلّما ازداد اللّهَث وراءَ المكنون من زينتِها ومفاتنها، حتى إنَّ النفسَ المغامرة لتشرئبّ أمامَ السّرابِ في القيعةِ تحسَبه ماءً وليس بماءٍ، وما ذلك إلاَّ مِن شدَّة ولع النّاس بالدنيا وزخرفها.
وإنَّ على رأس هذهِ المفاتن المالَ، المال الذي أودَعه الله بين عباده، يتناقلونه فيما بينهم، يبيع بعضهم لبعض، ويرابِح بعضهم لبَعض. يجِد الناس في هذا المالِ طاقاتٍ متفتّقةً بين الحين والآخر في إذكاءِ المضاربات والمرابحات، حتّى يصبِح التنافس والتهافُت سِمةُ مِن سماتِ مغامرات الناسِ ومخاطراتهم، وكأنهم بذلك يفرّون من فقرٍ محقَّق يدَعّون إليه دَعًّا، حتى وقَعوا فيما حذَّر منه النبيّ بقوله: (( فوالله، لا الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسَطَ عليكم الدّنيا كما بسِطَت على مَن كان قبلكم، فتنافَسوها كما تنافَسوها، وتهلِكَكم كما أهلَكتهُم ) )رواه البخاريّ ومسلم.
ثمّ إنَّ هذا التنافسَ المحمومَ لم تسلَم بَراجِمُه مِن أوخازِ الظّلمِ والبُهتان والكيدِ والحسَد وأكلِ أموالِ الناس بالباطل؛ إذ ما مِن تَنافسٍ يخرجُ عن إطارِ الاعتدالِ والتوسُّط إلاَّ وتكون العواقبُ فيه وخيمةً والآفات المتكاثِرة عليه أليمة. ومِن هنا تنشأ الفِتنة بين النّاس، فيبغِي بعضهم على بعض، ويلعَن بعضهم بعضًا، وهذِه النتيجةُ إنما هِي مصداقٌ لقولِ المصطفى: (( إنّ لكلِّ أمّةٍ فِتنةً، وفتنة أمّتي المال ) )رواه الترمذي في جامعه.
إنّ كرهَ الفقر وحُبّ الغنى أمران فِطريان، والشريعةُ الغرّاء لا تقِف كالِحةً في وجهِ الفِطرة التي فطَر الله الناسَ عليها، ولكنها في الوقتِ نفسِه تبرُز كمصحِّحةٍ للمَسار حاثَّةٍ على الاعتدال في كلِّ شيء حتى في المال؛ لأنّ النبيَّ قد استعاذَ بالله من شرِّ الغنى والفقر. رواه أبو داود والترمذي. فالإسلام لم يحثَّ قطّ على الفقرِ؛ لأنّ الفقرَ كاد يكون كفرًا، ولم يحرِّض الناسَ على اللّهَث الأعمى وراء المال؛ لأنّ الإنسانَ قد يطغَى أن رآه استَغنى.
أيّها الناس، جاءَ في مسند أحمدَ أنّ النبيَّ ذكر أنّ الساعةَ لا تقوم حتى يفيضَ المال، وإنّ من المقرَّر المشاهَد في هذا الزّمن ـ عباد الله ـ كثرةَ المال وتنوّعَ موارده وامتلاءَ الساحة بالأطروحات الاستثماريّة والمساهماتِ الربحية؛ ما جعل الناس يتهافتون إليها تهافُت الفراشِ على النِّبراس، حتى إنّها لم تدَع بيتًا إلاَّ وأصابته بدخَنها. وليس هذا هو العجبَ عباد الله، فإنّ النبي قد أخبرنا بهذا التنافس، وإنما العجَب حينما يكون هذا الانكبابُ والانغماس في حمأة الطّفرَة الماليّة لدى المستثمِرين عاريًا عن الأناةِ والوضوح والفَرز بين ما أحلَّه الله وبين ما حرّمه، وأن تكونَ غاية الكثيرين هي التحصيلَ كيفما اتَّفق دون النظرِ إلى الضوابط الشرعية والقواعِد المرعيّة في أبوابِ المعاملات بين الناسِ بيعًا وشراءً ومرابحةً. وإنّ مثلَ هذه المعرّة لم تأتِ بغتةً دون مقدّمات، بل إنها رَجع صدًى لقلَّة العِلم وضَعف الحرص على استجلابِ المال من طُرُقه الواضحة البيّنة من حيث الحِلّ والحرمةُ. وما نشاهِده اليومَ من عروضٍ استثماريّة متنوِّعة يعتريها شبَهٌ وشكوك بل يعترِيها ظنٌّ راجح بأنها ملتاثةٌ بشيءٍ من الطّرق المحرَّمة في المعاملاتِ إنّما هو يذكِّرنا بقول النبيِّ: (( ليأتيَنَّ على الناسِ زمانٌ لا يبالي المرءُ بما أخذَ من المال بحلالٍ أو بحرام ) )رواه أحمد.
عبادَ الله، إنّ الثورةَ الماليةَ الهائلة في أوساطِ المستثمرين قد ولَّدت شيئًا من الإحَن والمشاحّةِ والدعاوى، إضافةً إلى الإعسارِ المفاجِئ والخسائرِ المتراكِمَة التي تحُلّ ببعض الفرَص الاستثمارية، فتشتعِل على إثرِها الخصوماتُ والنّكبات جرّاءَ تلكم الحَمَالات التي لم تكن محضَ صُدفةٍ مع الاعترافِ بأنها غالبًا ما تكون مفاجئةً، وهذا كلّه يجعلنا نؤكِّد على توضيح بعض الأمور وتجلِيَتها لمن أصِيبوا بالعمَى في هذا الميدانِ واستنشقوا غُبارَه، وذلك من خِلال الوصايا التالية:
الوصيّة الأولى: أنّ أمورَ العباد وأموالَهم مبنيّة على المشاحّة والمؤاخذة، فالمستثمِرون بالجملة عُميُ البصائر أمام صاحِب الاستثمار ما دام رابحًا موفَّقًا، لا يسألونه عن صغيرةٍ ولا كبيرة، ناهيكم عن المبالغةِ في مدحِه والثناءِ عليه والإعجاب به، فإذا ما خسِر وكبا انقلَبوا على وجوههِم شاتمين له ومدَّعِين عليه، والواقع يؤكِّد موالاتَهم له في الغُنم ومعاداتَهم له في الغُرم.
الوصيّة الثانية: أنّ الأصلَ في أموال الناس وحقوقِهم الحرمةُ والحضر، فلا يجوز الاعتداءُ عليها أو المماطلة والتفريطُ فيها أو الوقوعُ في التأويلاتِ المبرِّرة للتصرّفات الممنوعةِ فيها؛ لأنّ النبيَّ يقول: (( كلُّ المسلم على المسلم حرام؛ دمُه وماله وعِرضه ) )رواه مسلم، وعند مسلم أيضًا أن النبيَّ قال: (( بمَ تأخذ مالَ أخيك بغير حق؟! ) ).
الوصية الثالِثة: أنّ القناعة والسماحةَ في ميدان التّجارة أمران مندوبٌ إليهما إذ هما مظِنّة البركة، كما أنَّ الطمعَ والجشَع وعدم القناعة مظِنّة للكبوةِ وقِلّة البركة؛ لأنّ للتجارةِ سورةً كسورةٍ الخَمرة، تأخذ شاربَها حتى ينتشِي، فإذا انتشى عاوَد حتى يصيرَ مدمِنًا، لا يفيقُ من نشوةِ المغامَرة والطمعِ حتى يستويَ عنده حالُ الخمار والإفاقة، ولاتَ ساعةَ مندَم، ولقد قال النبيّ: (( من يأخُذ مالًا بحقِّه يبارَك له فيه، ومن يأخذ مالًا بغير حقِّه فمثله كمثلِ الذي يأكل ولا يشبَع ) )رواه مسلم. فالسماحةُ والقناعة هما رأسُ البركة والرّحمة لقول النبي: (( رحِم الله رجلًا سمحًا إذا باعَ وإذا اشترى وإذا اقتضَى ) )رواه البخاري.
الوصيّة الرابعة: وهي تصحيحٌ لبعضِ المفاهيم المغلوطَة لدى بعضِ المرابحين حيث يظنّون أنّ المعاملاتِ المحرمّة لا تكونُ محرَّمة إلاَّ إذا شابَها صورةٌ من صوَرِ الرِّبا، وأنّ أيَّ معاملةٍ خاليةٍ من الربا فهي حَلال، وهذا ظنٌّ خاطئ، بل إنّ المعاملات المحرّمة أعمّ في السبب من ذلك؛ لأنها في الحقيقةِ ترجع إلى ثلاثِ قواعد: أولاهنّ: قاعدةُ الربا بأنواعه وصوَره، والثانية: قاعدة الغرَر بأقسامه وأنواعه، والثالثة: قاعِدَة التغرير والخِداع بألوانه وأحواله.
وهذا ـ عباد الله ـ أمرٌ قلَّ من يتفطَّن له من التّجّار والمرابحين؛ لأنَّ المعاملةَ قد تحرُم بسبَب نُقصانها شرطًا من شروطِ صِحّة البيع المعلومة وإن لم تكن على صورةِ رِبا، فالبركة كلّ البركة في الكسبِ الحلال، والمحقُ كلّ المحقِ في الكسبِ الحرام.
أمّا الوصيةُ الخامسة ـ عبادَ الله ـ فنوجّهُها إلى من ائتمَنَهم الناس على أموالهم في الاتِّجار والمرابحة أن يتّقوا الله فيها، وأن يسيروا في إتمامِها على الوجهِ المباح والوضوح والخضوع لما أحلَّ الله فيها، والبُعد والنأي عن أيِّ موضِع ريبةٍ أو شبهة أو تفريط وإهمالٍ أو استغلال ثِقَة الناس بهم في أن يتصرَّفوا فيها على غيرِ ما وُضِعت له، فإنَّ من نوى أن يفِيَ بحقوق النّاس كان الله معه، والعكس بالعكس، وليتذكَّر أمثالُ هؤلاء قولَ النبيِّ: (( من أخذ أموالَ الناس يريد أداءها أدّى الله عنه، ومن أخَذها يريد إتلافها أتلَفَه الله ) )رواه البخاري.
ألا فاتّقوا الله معاشرَ المسلمين، واتّقوا المالَ فإنّ فتنة هذه الأمة المال، ولتستمِعوا إلى قول الباري جلّ شأنه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29] .
بارَك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعَني وإيّاكم بما فيهِ من الآياتِ والذكرِ الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صوابًا فمِنَ الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفِر الله إنّه كان غفّارًا.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده.
وبعد: فإنّ الشريعةَ الإسلامية قد جاءت موافقةً لبقيّة الشرائع السماويّة في حفظ الضرورات الخمس وهي الدين والنفسُ والعقل والنّسل والمال. فالبيعُ والشّراء والمرابحة كلُّها تندرِج تحت ضرورةِ حِفظ المال، وانطلاقًا مِن حِفظ هذه الضّرورة فإنّ الشارعَ الحكيم لم يدَعِ الفردَ المسلم حرًّا في التصرّف المالي دون ضوابط، لئلاّ يخرج بالمال عن مَقصدِه الذي أُكرِم به بنو آدم من كونِه نِعمة ومنّة إلى كونه نِقمة على صاحبه ووبالًا يُسأل عنه يومَ القيامة، فقد صحّ عند الترمذيّ وغيره أنّ النبي قال: (( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ) )وذكر منها: (( وعن مالِه: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ ) ).
فالواجب على كلِّ مسلمٍ أن يدركَ حقيقة المال وأنه سلاح ذو حدي، وليحذَر أشدَّ الحذر أن ينقلبَ عليه فتنة وبلاءً؛ لأنّ الله جلّ شأنه قال عن المال: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال:28] .
فالواجِبُ على ولاةِ الأمور والعلماءِ والمختصِّين في المعاملاتِ المالية أن يكونَ لهم جهودٌ ملموسَة في حفظ هذه الضرورة مِن خلال وضعِ الضوابط الشرعية والمصالحِ المرسَلَة لتكونَ سِياجًا منيعًا يحول دونَ العَبَث بأموال النّاس والعَبِّ منها كمَا الهيم، ولأجلِ أن تقلِّلَ من ضحايا المرابِحين المتهوِّرين والبُسَطاء المغامِرين، ولئلاّ تكونَ السوقُ الماليّة كلأً مُباحًا لكلِّ ساذِج يرعَى حولَ حِماها، وذلك حمايةً للحقوق والمصالِح ودرءًا للمَفاسد والعبَث بأموال النّاسِ، يقول الله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20] .
هذا وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على خيرِ البريّة وأزكى البشريّة محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحبِ الحوضِ والشّفاعة، فقد أمرَكم الله بأمرٍ بدأ فيه بنَفسِه، وثنّى بملائِكتِه المسبّحة بقُدسِه، وأيّه بكم أيّها المؤمنون فقال جلّ وعلا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد ...