ولهذا فإن هذه الدراسة ستلقي الضوء على الإجراءات التنفيذية للقضاء بالقرائن في المحاكم الجزائرية؛ بأخذ محكمتي ولايتين في الجزائر كنموذج تطبيقي، وهما: المجلس القضائي لولاية بسكرة- مدينة تقع في الجنوب الجزائري- والمجلس القضائي لولاية باتنة -مدينة تقع في الشرق الجزائري- والنظر في مجموعة من القضايا والدعاوى المعروضة للبث النهائي فيها بأخذ القرائن كوسائل إثبات؛ وبخاصة في مجال إثبات النسب. فقانون الأسرة الجزائري على اعتبار أنه باعتماده كليا على أحكام الشريعة الإسلامية كما سنرى فهو يمثل القضاء الشرعي ، وقد جاء القانون الجديد المعدل في شهر فبراير 2005م بإضافات وتعديلات كثيرة؛ كما في المادة 40 منه:"يجوز للقاضي اللجوء إلى الطرق العلمية لإثبات النسب". وهي المادة التي سنناقش على ضوئها القضايا المعروضة للدراسة؛ فما مدى تطبيق القضاة ورجال القانون لهذه المادة، وهل بدؤوا العمل بها حقا وقد مضى على تعديلها سنة كاملة؟
كما سنلقي الضوء بداية -كما تقتضيه منهجية البحث العلمي- على تعريف القرينة، وأنواعها، ثم النظر في آراء الفقهاء في مدى الأخذ بها كدليل إثبات أو نفي، ومنه التطرق إلى بعض المسائل والقضايا التي تعتبر فيها القرائن أدلة مادية مثبتة أو نافية للدعوى.
تعريف القرائن:
القرائن جمع قرينة وهي: كل أمارة ظاهرة تقارن شيئا خفيا فتدل عليه. (1)
وقد عرفها الشيخ عبد العال عطوة على أنها: الأمارة التي تدلنا على الأمر المجهول استنباطا واستخلاصا من الأمارة المصاحبة والمقارنة لذلك الأمر الخفي المجهول ، ولولاها لما أمكن التوصل إليه . فالبعرة تدل على البعير ، وأثر السير يدل على المسير . (2)
(1) عبد الناصر أبو البصل . 1997م . مسائل في الفقه المقارن . عمان: دار النفائس: ص 283
(2) إبراهيم بن محمد الفائز . 1983م . الإثبات بالقرائن في الفقه الإسلامي . بيروت: المكتب الإسلامي: ص 67