الصفحة 8 من 22

ويجاب عنه: بنحو من الإجابة السابقة بأن أصحاب الهمم العالية لا يمنعهم وجود الأحكام المقننة من الاستفادة من التراث الفقهي في تطوير ما قنن من أحكام وفي غيره من المجالات.

أما الاقتصار على قول واحد وإهمال بقية الأقوال، فإن هذه الأقوال ليست من الشريعة حتى يجب العمل بها كلها، ولا مجال للعمل بها كلها في آن واحد، وبأيهما أخذ فقد أصاب الحق على القول بأن كل مجتهد مصيب، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - قوله:"ما سرني لو أن أصحاب محمد لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم يكن رخصة" (1) . ومع ذلك فإن ما قنن من أحكام يظل محل دراسة ونظر من المختصين للتحسين والتطوير، ولا يلزم منه إغلاق باب الاجتهاد في وجوه الأقوياء من القضاة.

وقد يكون طريقا للزيادة في الشريعة أو الإنقاص منها، وإحلال القوانين الوضعية محلها.

ويجاب عنه: بعدم التسليم، وأنه أمر بعيد لأن المراد بالتقنين هو تدوين الراجح من أقوال الفقهاء مع أخذ مصالح الناس بعين الاعتبار. وقصر القضاة على ما قنن لا يؤدي إلى الزيادة في الشريعة أو الإنقاص منها. ومهما كثر التعديل فلن يبلغ إلى درجة تبديل الشريعة أو تحريفها، فإنه لن يكون إلا من مجتهدين ثقاة مخلصين. بل عدم التقنين قد يؤدي إلى ترك الشريعة وإهمالها لما يلحظونه من تعقيد العبارة وجزالتها، وصعوبة الأسلوب وغموضه، وعدم المنهجية العلمية المتعارف عليها اليوم في عرض المسائل في أمهات الكتب الفقهية.

المطلب الثاني:

تحقيق العدالة

إن العدالة في الإسلام تنبع من رؤيته للعدل في كل حركة وسكون وقصد وعمل. ولا يخفى أن إقامة العدل من المقاصد المعتبرة شرعا، والأدلة على ذلك كثيرة منها:

قول الله - عز وجل: { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا } (الآية58 سورة النساء) .

(1) الخطيب البغدادي: الفقيه والمتفقه 2/59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت