الصفحة 7 من 22

"يشترط في القاضي أن يكون من أهل الاجتهاد، وبهذا قال مالك والشافعي وبعض الحنفية، مستدلا لذلك بقوله - عز وجل: { وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم } (من الآية 49 سورة المائدة) ولم يقل بالتقليد" (1) .

والحكم بما أنزل الله أمر مسلم به لتظافر الأدلة على ذلك، إلا أنه لا يسلم لكم بأن مَنْ حكم بما قنن من أحكام ليس حاكما بما أنزل الله، فما التقنين إلا فَهْم واجتهاد من طائفة مختارة من العلماء، ولِوَليّ الأمر أن يلزم القضاة بقول من أقوال الفقهاء لما يحققه هذا القول من مصالح خاصة أو عامة، إذ التقنين لا يتولاه إلا نخبة من العلماء الثقاة العدول، هدفهم إقامة الشرع وإحقاق الحق دون تحيز سياسي أو تعصب مذهبي، وتحقيق المصالح للناس وتكميلها، ودرء المفاسد عنهم وتقليلها.

وقانون يحد من صلاحيات القاضي في تحقيق المصلحة، إذ الحق لا يتعين في مذهب، وقد يظهر له الحق في غير ذلك المذهب" (2) ، والأصل إذا ظهر له الحق وجب العمل به."

ويجاب عنه: بأن الحد من صلاحيات القاضي أولى من تفويت الحق من قضاة حديثي عهدٍ بالقضاء وقليلي علمٍ بالأحكام الشرعية، وقد تتنازعهم الأهواء والمصالح الشخصية. ولا يخفى أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وأن ارتكاب أخف المفسدتين بتفويت أعلاهما أمر معتبر شرعا.

وطريق إلى هجر فقه الكتاب والسنة، وعدم الرجوع إليهما في هذا المجال اكتفاء بما قنن.

ويجاب عنه: بأن هذا مسلم لمن ضعفت همته بدليل انصرافهم عن مطولات فقه الكتاب والسنة إلى المختصرات الفقهية لمعرفة الأقوال دون تجشم لمتاعب البحث والاستدلال. فضلا عن كون الأحكام المقننة لا تخرج عن دائرة فقه الكتاب والسنة.

وطريق إلى القضاء على التراث الفقهي اكتفاءً بما قنن من أحكام، مما يدفع الناس إلى الاقتصار على قول واحد وإهمال بقية الأقوال.

(1) المرجع السابق 9/40 -41.

(2) ابن قدامة: المغني 9/106.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت