فهرس الكتاب
ففصلت الشريعة الإسلامية بصورة عملية الجانب الدنيوي المدني عن الجانب الديني ، ونظمت أمور المجتمع على أساس الجانب الدنيوي المتجسد بالأفعال والعقود وكيفية إثباتها حسب المعطيات القضائية ، ونجد في التطبيقات التاريخية للمجتمعات الإسلامية الفصل الواضح بين حكم القضاء الذي يعتمد على الاعتبارات القضائية القرائنية وبين حكم الدين الذي يعتمد على الاعتبارات الاعتقادية والأخلاقية ضمن التشكيلة الاجتماعية السائدة ، وعليه قد يكون هناك خلاف بين حكم القضاء الذي يحاكم العمل أو الحق حسب الظاهر، وبين حكم الدين الذي يحكم على أساس ما في النفوس والدواخل ، وعلى أساس الاعتبارات الدينية ، فلو عجز الدائن عن إثبات دين حقيقي جحده المدين أمام القضاء ، لا يستطيع أخذ حقه عنوة ولا يحكم القضاء لصالحه لأنه فشل في إثبات حقه ، في حين يقر له الاعتبار الديني أن يأخذ منه قدر حقه دون إذن المدين أو دون علمه ، ولو وصل مثل هذا الأمر للقضاء لا يقر للدائن فعلته، بل وسيحاسبه.
وارتباطًا بفكرة التميز بين الجانب المدني والجانب الديني ، نجد أن السلطة الإسلامية وفي العصور المتأخرة ميزت بين وظيفة القاضي الذي يعتمد على الاعتبار القضائي للأعمال والأحكام ، وبين وظيفة المفتي الذي يعتمد الاعتبار الديني .
وهذا هو الفرق بين القضاء والإفتاء: فالقضاء: هو بيان الحكم الشرعي مع الإلزام به ، أما الإفتاء: فهو بيان الحكم الشرعي دون الإلزام به (1) .
خامسًا: المصطلحات الاقتصادية في القضاء الشرعي المعاصر
اهتم التشريع الإسلامي برعاية شؤون الأمة من جميع جوانبها ، ومن ذلك إدارة الأموال والتصرف بها وإنفاقها وأنواعها وكيفية تحصيلها وبيان أحكامها على مستوى العام والخاص .
(1) أنظر: الموسوعة الفقهية: 33 / 283 .