فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 131

قال المفتي: فإن لولي الأمر في زماننا هذا أن يتدخل في عقد المضاربة ليجعل المال عند المضاربة إذا هلك كان ضمانه علي صاحبه في كل الأحوال، بل له أن يفرض الضمانات الكافية لحفظ أموال الناس، ومن هذه الضمانات تحديد نسبة الربح مقدمًا وأن يكون رأس المال مضمونًا وهذا اللون من التدخل يندرج تحت باب المصالح المرسلة وهي التي لم يجز نص بإثباتها أومنعها من رعاية مصالح الناس.

-مع تسليمنا جدلًا بأن تحديد الربح مقدمًا يفسد عقد المضاربة، لم يقل أحد من الأئمة بأن فساد عقد المضاربة لهذا السبب يجعل العقد معاملة رِبوية يحرم فيها الربح الناشئ عن العمل في المال المستثمر، وإنما أجمع الفقهاء عند فساد عقد المضاربة بسبب تحديد الربح مصرِّحًا بأن العامل وهو المستثمر للمال له أجر مثله بالغًا ما بلغ، ولصاحب المال ما بقي من الربح ...

ثم قال: قال صاحب شرح فتح القدير: عقد المضاربة يفسد باشتراط دراهم مسماة لأحد المتعاقدين، والحكم في كل موضع لا تصح فيه المضاربة وجوب أجر المثل للعامل والربح لرب المال ...

قال الدكتور:

والرد علي تلك المزاعم:

1 -قوله: إن لولي الأمر أن يتدخل في أمور المضاربة، يجعل ولي الأمر مشرعًا مع الله تعالي، وهذا مخالف للقواعد الكلية للدين، وما أجمع عليه العلماء، والحق فإن سلطة التشريع لم يجعلها الله لأحد من خلقه؛ لأن المشرع هو الله تعالي، حتي النبي ليس له حق التشريع، ووظيفة السنة البيان، ولذا قال تعالي: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ فقال تعالي: (( (( (( (( (( لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، لا لتشرع لهم، فمنزلة السنة من القرآن إما البيان كقول النبي: صلوا كما رأيتموني أصلي، وإما التأكيد كقول النبي: بني الإسلام علي خمس ... إلي آخر الحديث، فهذه الأركان قد ثبت وجوبها بالقرآن، والسنة أكدت وجوبها. وإما أن تكون مؤسسة، وهي أن يأتي بحكم ليس في القرآن ولكن لا يكون هذا تشريع من عند الرسول بل الحكم لله وبيانه من الرسول ...

ولقد ذم الله الذين يشرعون معه فقال: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ

ولقد ذم الله تعالي من أحل الحرام أو حرم الحلال فقال تعالي: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59)

وأما قوله: لو سلمنا جدلًا أن تحديد الربح مقدمًا يجعل عقد المضاربة فاسدة وللعامل في المضاربة الفاسدة أجر مثله، قول باطل ومردود؛ لأنه لا يصح أن يسمي هذا العقد مضاربة لا صحيحة ولا فاسدة، إن المتعامل مع البنك لم يتعامل علي أنها عقد مضاربة، بل يتعامل معه علي القرض بفائدة مشروطة.

ومع التسليم جدلًا علي أنه مضاربة فاسدة كما يقول المفتي، فهل يجوز الإقدام علي العقد الفاسد أم يحرم؟

الجواب عن هذا أن جميع الفقهاء أجمعوا علي أن العقد الفاسد لا يجوز الإقدام عليه، وإلا فأين الدليل علي دعواه هذه أنه لا يوجد؟ والتحقيق أن الفقهاء نظروا إلي العقود الفاسدة أولًا: من حيث الإقدام عليها ابتداءًا، وثانيًا: من حيث حكمها إذا وقعت.

فقالوا بالإجماع: لا يجوز الإقدام علي العقد الفاسد، لكنها إذا وقعت فمنهم من يقول بصحته كالبيع عند أذان الجمعة ومنهم من يقول ببطلانه أو فساده.

وكذلك عقد المضاربة الفاسدة حرام بالإجماع وأما حكمه إذا وقع، فللعامل أجر مثله أو قَرَاض مثله [1] ، ومن ثم يحق لنا بناءًا علي كلام المفتي أنه يجوز عنده الإقدام علي العقد الفاسد بناءًا علي إجازته الإقدام علي عقد المضاربة الفاسدة. ويلزم علي قوله أنه يجوز إكراه الأجير علي العمل وله أجر مثله ويلزم علي قوله هذا جواز استمرار عقد المضاربة الفاسدة، وهذا مخالف أيضًا للإجماع.

يقول ابن رشد:

اتفقوا علي أن حكم القراض الفاسد أنه يجب فسخه ورد المال لصاحبه ما لم يَفُتْ بالعمل [2] .

(1) - قراض المثل: لو كان مثلًا يتاجر في الأجهزة الكهربائية، يسئل في السوق، ما العرف في هذه الحالة؟ فيقال: العرف غالبًا أن العامل - المضارب - يأخذ ثلاثين بالمائة من الربح.

(2) - فهذا المستثني فقط أن يكون العمل قد تم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت