وقد ذهب العلماء عدة مذاهب للجمع بين هذه النصوص. وكما هو معلوم حسب القواعد أن: إذا ورد نصين ظاهرهما التعارض وجب الجمع بينهما ما أمكن، فإن تعذر الجمع وعلم التاريخ يكون المتأخر منهما ناسخًا لما قبله، فإن تعذر الجمع ولم يعلم التاريخ يُصار إلي الترجيح.
بعض العلماء أخذ بمسلك الجمع فقالوا: حديث أبي هريرة يحمل علي الأفضل وحديثي عائشة وأم سلمة يحملان علي الجواز.
وبعض العلماء قال: حديثي عائشة وأم سلمة نسخا حديثا أبو هريرة؛ لأن في حديث عائشة السابق فَقَالَ: لَسْتَ مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ....
وجه الدلالة: أن الصحابة لم يعلموا أن رسول الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر إلا بعد ما نزلت سورة الفتح - والتي نزلت في صلح الحديبية عام ست من الهجرة - وصيام رمضان فرض في السنة الثانية من الهجرة؛ فلا شك أن هذا الحديث كان بعد فرض الصيام.
وسلك الجمهور مسلك الترجيح وذلك من وجوه:
1 -حديثي عائشة وأم سلمة تواترا، أما حديث أبوهريرة: فأكثر الروايات أنه كان يفتي بذلك.
2 -رواية الإثنين مقدمة علي رواية الواحد.
3 -أن الزوجات أعلم بالأزواج لا سيما في هذا الأمر.
4 -أن أبوهريرة تراجع عن هذا القول؛ فقد أخبره عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن الحارث بِمَا قَالَتَا عائشة وأم سلمة فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هما أعلم برسول الله. وفي رواية ابن جُرَيْج: فرجع أبوهريرة عما كان يقول في ذلك.
5 -هذا موافق للمنقول والمعقول فقد قال تعالي: فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ، فهذه الآية تدل علي إباحة الجماع في ليل الصيام بما في ذلك الجزء من الليل الذي يكون قبيل طلوع الفجر ومن ضرورة ذلك أن يصبح جنبًا.
وأما من جهة المعقول: فإن الإنزال يوجب الغسل والغسل لا يؤثر في الصيام؛ فقد يحتلم الإنسان في نهار رمضان فيغتسل ولا يبطل صيامه بالإجماع.
المسألة السابعة: لو جامع قبل طلوع الفجر ونزع عند طلوع الفجر لكنه قذف بعد طلوع الفجر