" (و) صح وقف من مسلم على (ذمي) أي تحت ذمتنا، وإن لم يكن له كتاب ... (وإن لم تظهر قربة) كعلى أغنيائهم،؛ لأن الوقف من باب العطايا والهبات، لا من باب الصدقات."
وجاز أيضًا لصلة رحم، وإلا كره.
فالوقف على أغنياء المسلمين دون فقرائهم، أو على ذي حاجة دون مضطر صحيح، وهو من فعل الخير في الجملة ..." [1] ."
"وفي نوازل ابن الحاج:"
من حبس على مساكين اليهود والنصارى جاز لقوله تعالى (ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا، وأسيرًا) (سورة الإنسان، آية رقم 8) ولايكون الأسير إلا مشركًا ..." [2] "
ثالثًا: القربة والعطية جميعًا.
ذهب إلى هذا الحنفية والشافعية وأنه يجمع بين الأمرين: القربة، والعطية.
فقد ورد في التعريف السابق للوقف عند الحنفية العبارة التالية:
"التصدق بمنفعة العين، أو صرف منفعتها إلى من أحب"بما يفيد التوسع في أغراض الوقف ليصح ما يكون منه قربة، أو مجاملة وتوددًا، وهو ما ورد التصريح به في العبارة التالية:
"وإنما قلنا: (أو صرف منفعتها ... ) ؛ لأن الوقف يصح لمن يحب من الأغنياء بلا قصد القربة، وهو وإن كان لابد في آخره من القربة بشرط التأبيد، وهو كذلك، كالفقراء، ومصالح المساجد، لكنه يكون وقفًا قبل انقراض الأغنياء بلا قصد ..." [3]
وكذلك المذهب عند الشافعية في الأصح فقد ورد ذكر التالي:
"وإن وقف على مسلم، أو ذمي (على جهة معصية كعمارة) نحو الكنائس المقصودة للتعبد، وترميمها ... (فباطل) ، (أو) على (جهة قربة كالفقراء، والعلماء صح، أو على جهة لاتظهر فيها القربة كالأغنياء صح في الأصح) كما يجوز بل تسن الصدقة عليهم."
فالمراعى انتفاء المعصية عن الجهة فقط؛ نظرًا إلى أن الوقف تمليك كالوصية، فمن ثم استحسنا بطلانه على أهل الذمة والفساق؛ لأنه إعانة على معصية ..." [4] "
أثمر هذا الاختلاف في المقصد الشرعي الأساس بين المذاهب صورًا إيجابية في التوسع في أغراض الأوقاف [5] ؛ إذ ليس بالضرورة لصحته أن يتعين قصد القربة، ولكن يكفي في صحته خلوه من المخالفات الشرعية، فتوسعت في الماضي توسعًا عظيمًا، فمن ثم أدى الوقف بجميع أقسامه الخيري، والذري، والمشترك بينهما خدمات جليلة كانت مصدر خير للأفراد والمجتمع عبر عصور الازدهار والانحطاط على السواء، وتحقق من خلاله للمجتمع الإسلامي المقاصد الشرعية الكلية الثلاثة:
(1) ... شرح الزرقاني على مختصر خليل، ج 7، ص 76.
(2) ... المواق، أبو عبد الله محمد بن يوسف، التاج والإكليل لمختصر خليل، (بيروت: المكتبة العلمية، عام 1416/ 1995) ، ج 7، ص 633.
(3) ... الشلبي، شهاب الدين أحمد، حاشية على تبيين الحقائق، ج 3، ص 324.
(4) ... الرملي، شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، الطبعة الأخيرة (مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، عام 1386/ 1967) ، ج 5، ص 368.
(5) ... كما أثمر هذا الاختلاف في المقصد الشرعي الأساس من الوقف بين المذاهب الفقهية اختلافًا في الأحكام الفقهية ليس هذا المكان المناسب لعرضها.