فهرس الكتاب
  • 📄
  • 📄

  • 📄
  • 📄
الصفحة 111 من 165

أعلم ـ أن صلاته كانت بعد الفجر تخفيفا، يعني أنه كان يطيل قراءة الفجر ويخفف قراءة بقية الصلوات لوجهين:

أحدهما: أن مسلما روى في صحيحه عن سماك بن حرب قال:"سألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كان يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء، قال: وأنبأني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بقاف والقران المجيد ونحوها"فجمع بين وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخفيف وأنه كان يقرأ في الفجر بقاف.

الثاني: أن سائر الصحابة اتفقوا على أن هذه كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ما زال يصليها. ولم يذكر أحد أنه نقص في اخر أمره من الصلاة، وقد أخبرت أم الفضل عن قراءته في المغرب بالمرسلات في اخر الاَمر، وأجمع الفقهاء أن السنة في صلاة الفجر أن يقرأ بطوال المفصل.

وأما قوله"ولا يصلي صلاة هؤلاء"فيحتمل أمرين: أحدهما: أنه لم يكن بحذف كحذفهم، بل لم يكن يطيل القراءة إطالتهم. وفي مسند أحمد وسنن النسائي عن عبد الله قال:"إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمرنا بالتخفيف، وإن كان ليؤمنا بالصافات"وهذا يدل على أن الذي أمر به هو الذي فعله، فإنه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يصلوا مثل صلاته، ولهذا صلى على المنبر وقال"إنما فعلت هذا لتأنموا بن ولتعلموا صلاتي"وقال مالك بن الحويرث وصاحبه"صلوا كما رأيتموني أصلي"وذلك أنه ما من فعل في الغالب إلا ويسمي خفيفا بالنسبة إلى ما هو أطول منه وطويلًا بالنسبة إلى ما هو أخف منه، فلا يمكن تحديد التخفيف المأمور به في الصلاة باللغة ولا بالعرف، لأنه ليس له عادة في العرف كالقبض والحزر والاحياء والاصطياد، حتى يرجع فيه إليه، بل هو من العبادات التي يرجع في صفاتها ومقاديرها إلى الشارع، كما يرجع إليه في أصلها، ولو جاز الرجوع فيه إلى العرف لاختلفت الصلاة الشرعية اختلافا متباينا لا ينضبط، ولكان لكل أهل عصر ومصر، بل لأهل الدرب والسكة، ولك محل لكل طائفة غرض وعرف وإرادة في مقدار الصلاة، يخالف عرف غيرهم، وهذا يفضي إلى تغيير الشريعة، وجعل السنة تابعة لأهواء الناس، فلا يرجع في التخفيف المأمور به إلا إلى فعله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يصلي وراء الضعيف والكبير وذو الحاجة، وقد أمرنا بالتخفيف لأجلهم، فالذي كان يفعله هو التخفيف، إذ من المحال أن يأمر بأمر ويعلله بعلة ثم يفعل خلافه مع وجود تلك العلة، إلا أن يكون منسوخا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت