صلاة الجمعة واجبة ليست بدلًا عن الظهر، وإنما الظهر بدل عنها لمن فاتته صلاة الجمعة.
واختلف أهل العلم فيمن لم يدرك الركوع الثاني مع الإمام في صلاة الجمعة، فمعظم العلماء يقولون: إنه إن لم يدرك الركوع الثاني مع الإمام فاتته الجمعة، فيكملها ظهرًا.
ونحن لا نرى دليلًا قويًا على هذه المسألة، وهناك آراء لبعض الأئمة أنه يصليها جمعة ركعتين؛ لأنه دخل بهذه النية.
النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قبلها خطبتين يجلس بينهما، وكان يخطب قبل أن يتخذ المنبر متكئًا على عصا، ويروى أنه بعد أن اتخذ المنبر لم يتكئ على شيء، وكان إذا خطب احمرت عيناه ووجنتاه صلى الله عليه وسلم كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم.
وكانت خطبته كلمات يسيرات قليلات لا يطيل فيهن، ويجعلها للمواعظ وللرقائق؛ لأن الجمعة يحضرها سائر المسلمين، وليست محاضرة معنونًا لها يحضرها من يريدها، لكن في هذا العصر خرجت الجمعة عن نطاقها الشرعي، فمن خلالها يقول الخطيب آراءه السياسية أو آراءه الفكرية، ومعلوم قطعًا أن آراء الخطيب الفكرية والسياسية تحتمل الصواب والخطأ على حسب علمه بالسياسة وحسب قدراته الفكرية.
لكن قال الله قال رسوله هذا لا يحتمل صوابًا ولا خطأ، والناس الحاضرون لا يأخذون ويعطون معك ولا يناقشونك، إنما يريدون شيئًا يرقق قلوبهم.
صلاة الجمعة يحضرها العامل يحضرها المسلم الأمي يحضرها الفقير يحضرها الغني يحضرها العالم يحضرها سائر الناس، فإخراجها عن مراد الله ورسوله هو الذي جعل الناس تكثر فيهم قسوة القلوب؛ لأنهم لا يجدون وقتًا يسمعون فيه الخطيب إلا يوم الجمعة، فإذا جاء يوم الجمعة أخرجهم الخطيب عما يريدون وذكر لهم آراء سياسية أو فكرية أو قضايا لا تعنيهم، أو حتى إذا كانت تعنيهم لا يملكون فيها حولًا ولا قوة، فيذهب أهل الثقافة يناقشون رأي الإمام، ورأي الإمام رأي فكري، وقد يكون هذا الإمام رجلًا تقيًا عالمًا فقهيًا يملك ترقيق القلوب لكنه لا يفقه شيئًا في الأمور الفكرية أو السياسة، فيتكلم في أمور قد يكون قوله فيها صوابًا وقد يكون قوله خطأ، وليس عامة المسلمين محل تجربه، وليس هذا موطن الحديث عن مثل هذه الأمور.
تقول أم هشام بنت الحارث رضي الله عنها وأرضاها: (ما حفظت سورة ق إلا من النبي صلى الله عليه وسلم من كثرة ما يقرأ بها في صلاة الجمعة) ، فسورة (ق) معروف فيها ذكر بدء الخلق، والموت، وإتيان الموقف العظيم، وازدلاف الجنة، وبعد النار، وما إلى ذلك، حتى يكون في ذلك ترقيق لقلوب الناس، أما تلك الأمور فلها مواطنها يتكلم فيها أهل العلم، لكن في لقاءات فكرية، وفي مجالس ثقافية، وفي محاضرات يعلن عنها بهذا الاسم، لكن ينبغي أن يكون المقصود الأسمى لكل خطيب ألا يخرج الناس عن الوعظ ليجعلهم يذكرون بلاغة الخطيب أو فصاحته أو علمه أو قدراته أو آراءه أو عظمته الفكرية، فهذا كله غير مقصود شرعًا.
المقصود الأساسي: أن يخرج الناس وقد ازدادوا إيمانًا بالله وتعلقًا به وتعظيمًا له جل شأنه.
وإذا استطاع الإمام أن يصل بالناس إلى هذا المستوى فقد وفق في خطبة الجمعة.