-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَعْرَابِيَّ الصَّلَاةَ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ شَيْئًا مِنْ الْأَذْكَارِ، وَقَدْ بَيَّنَ لَهُ الْأَرْكَانَ، وَلَوْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ كَانَ أَفْضَلَ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ إمَامًا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُطَوِّلَ عَلَى وَجْهٍ يَمَلُّ الْقَوْمُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ سَبَبًا لِلتَّنْفِيرِ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، فَإِنَّ مُعَاذًا لَمَّا طَوَّلَ الْقِرَاءَةَ «قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ» .
وَكَانَ الثَّوْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَهَا الْإِمَامُ خَمْسًا لِيَتَمَكَّنَ الْمُقْتَدِي مِنْ أَنْ يَقُولَهَا ثَلَاثًا، وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ بِهَذَا وَيَزِيدُ فِي الرُّكُوعِ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَلَكَ خَشَعْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَفِي السُّجُودِ: سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» ، وَهَذَا مَحْمُولٌ وَهَذَا عِنْدَنَا عَلَى التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ وَيَضَعُ يَدَيْهِ فِي السُّجُودِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ» ، وَلِأَنَّ آخِرَ الرَّكْعَةِ مُعْتَبَرٌ بِأَوَّلِهَا فَكَمَا يَجْعَلُ رَأْسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ الرَّكْعَةِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ فَكَذَلِكَ فِي آخِرِهَا وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَانَ إذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ» ، مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْعُذْرِ لِلْكِبَرِ أَوْ الْمَرَضِ وَيُوَجِّهُ أَصَابِعَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَجَدَ وَضَعَ أَصَابِعَهُ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ» .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ كُلُّ عُضْوٍ مَعَهُ فَلْيُوَجِّهْ مِنْ أَعْضَائِهِ الْقِبْلَةَ مَا اسْتَطَاعَ وَيَعْتَمِدُ عَلَى رَاحَتَيْهِ» لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، فَإِنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ أَلَا أَصِفُ لَكُمْ سُجُودَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَالُوا نَعَمْ فَسَجَدَ وَادَّعَمَ عَلَى رَاحَتَيْهِ وَرَفَعَ عَجِيزَتَهُ، ثُمَّ قَالَ هَكَذَا كَانَ يَسْجُدُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، (وَيُبْدِي ضَبْعَيْهِ) لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَانَ إذَا سَجَدَ أَبْدَى ضَبْعَيْهِ أَوْ أَبَّدَ ضَبْعَيْهِ» وَالْإِبْدَاءُ وَالتَّبْدِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لُغَةٌ وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَجَدَ جَافَى عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبْطَيْهِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «حَتَّى يُرْثَى لَهُ أَنْ يُرْحَمَ مِنْ جَهْدِهِ» ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حَتَّى لَوْ أَنَّ بَهِيمَةً أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ لَمَرَّتْ.
(وَلَا يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الْمُصَلِّي ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ أَوْ الثَّعْلَبِ» ، فَذِكْرُهُ هَذَا الْمَثَلَ دَلِيلٌ عَلَى شِدَّةِ الْكَرَاهَةِ وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ فِي النَّفْلِ لَا بَأْسَ