وكانوا قرات1 الأعين، لا تلم بهم على كثرتهم أعين الأسواء، فنعق بهم في أعصارنا ناعق الفناء، وتفانت بتفانيهم أندية ذاك2 العلاء، على أن الأرض لا تخلوا من قائم بالحجة إلى أوان الانتهاء، رأيت أن أستخير الله تبارك"وتعالى"3، وأستعينه، وأستهديه، وأستوقفه، وأتبرأ من الحول والقوة إلا به في تأليف كتاب في الفتوى لائق بالوقت، أفصح فيه إن شاء الله العظيم4 عن شروط المفتي، وأوصافه، وأحكامه، وعن صفة المستفتي وأحكامه، وعن كيفية الفتوى والاسفتاء وآدابهما جامعًا فيه شمل نفائس التقطتها من خبايا الروايا5، وخفايا الزوايا، ومهمات تقر بها أعين أعيان الفقهاء، ويرفع من قدرها من كثرت مطالعاته6 من الفهماء7، ويبادر إلى تحصيلها كل من ارتفع عن"حضيض"8 الضعفاء، مقدمًا في أوله بيان شرف مرتبة الفتوى، وخطرها، والتنبيه على آفاتها وعظيم9 غررها، ليعلم المقصر عن شأوها، المتجاسر عليها أنه على النار يجرأ ويجسر، وليعرف متعاطيها المضيع شروطها أنه لنفسه يضيع ويخسر، وليتقاصر عنها القاصرون الذين إذا انتزوا10 على منصب تدرس، أو اختلسوا11 ذروا من تقديم وترئيس، وجانبوا جانب المحترس، ووثبوا على الفتيا وثبة المفترس.
1 كذا في النسخ، ولعل الأسلم:"قرة"لأنها مصدر.
2 في ف وج:"ذلك".
3 من ف وج وش.
4 في ف وج:"تعالى".
5 في هامش ج:"الروايا جمع رواية، وهو الكثير الرواية قاله رضي الله عنه"، ومثله في ش وجاء في آخره"المصنف"بدل"قاله رضي الله عنه", وانظر تاج العروس: 10/ 158 مادة"روى".
6 في ج:"مطالعاتها".
7 في ف:"الفقهاء".
8 من ف وج وش وفي الأصل:"تحضيض".
9 من ف:"وعظم".
10 نزا: أي وثب، انظر تاج العروس مادة"نزا".
11 في ف وج"واختلسوا".