فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 708

يحب وَطْء كل جميلَة يسْتَمْتع بهَا لَوْلَا التَّقْوَى وَيُحب النّوم عَن الصَّلَاة فِي اللَّيَالِي الْقَاهِرَة والهواجر الحارة وَيُحب الْأكل فِي أَيَّام الصَّوْم وَيُحب إمْسَاك مَاله عَن الزَّكَاة وَإِنَّمَا يَأْتِي خلاف مَا يُرِيد مغالبة لإرادته وقهرًا لَهَا وَأما صرفا لَهَا فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَيْهِ فقد تمّ الْإِخْبَار صَحِيحا على قَول هذَيْن الرجلَيْن وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل

قَالَ أَبُو مُحَمَّد والبرهان على صِحَة قَول من قَالَ إِن الله تَعَالَى خلق أَعمال الْعباد كلهَا نُصُوص من الْقُرْآن وبراهين ضَرُورِيَّة منتجة من بديهة الْعقل والحس لَا يغيب عَنْهَا إِلَّا جَاهِل وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَمن النُّصُوص قَول الله عز وَجل {هَل من خَالق غير الله}

قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا كَاف لمن عقل وَاتَّقَى الله وَقد قَالَ لي بَعضهم إِنَّمَا أنكر الله تَعَالَى أَن يكون هَاهُنَا خَالق غَيره يرزقنا كَمَا فِي نَص الْآيَة

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَجَوَاب هَذَا أَنه لَيْسَ كَمَا ظن هَذَا الْقَائِل بل الْقَضِيَّة قد تمت فِي قَوْله غير الله ثمَّ ابْتَدَأَ عز وَجل بتعديد نعمه علينا فَأخْبرنَا أَنه يرزقنا من السَّمَاء وَالْأَرْض وَقَالَ تَعَالَى {فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدّين الْقيم} وَهَذَا برهَان جلي على أَن الدّين مَخْلُوق لله عز وَجل وَقَالَ تَعَالَى {وَاتَّخذُوا من دونه آلِهَة لَا يخلقون شَيْئا وهم يخلقون وَلَا يملكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضرًا وَلَا نفعا وَلَا يملكُونَ موتا وَلَا حَيَاة وَلَا نشورا}

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمِنْهُم من يعبد الْمَسِيح وَقَالَت الْمَلَائِكَة وَصَدقُوا بل كَانُوا يعْبدُونَ الْجِنّ فصح أَن كل مَا عبدوه وَمِنْهُم الْمَسِيح وَالْجِنّ لَا يخلقون شَيْئا وَلَا يملكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضرًا وَلَا نفعا فَثَبت يَقِينا أَنهم مصرفون مدبرون وَأَن أفعالهم مخلوقة لغَيرهم وَقَالَ تَعَالَى {أَفَمَن يخلق كمن لَا يخلق أَفلا تذكرُونَ}

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا نَص جلي على إبِْطَال أَن يخلق أحد دون الله تَعَالَى شَيْئا لِأَنَّهُ لَو كَانَ هَاهُنَا أحد غَيره تَعَالَى يخلق لَكَانَ من يخلق مَوْجُودا جِنْسا فِي حيّز وَمن لَا يخلق جِنْسا آخر وَكَانَ الشّبَه بَين من يخلق مَوْجُودا وَكَانَ من لَا يخلق لَا يشبه من يخلق وَهَذَا إلحاد عَظِيم فصح بِنَصّ هَذِه الْآيَة أَن الله تَعَالَى هُوَ يخلق وَحده وكل من عداهُ لَا يخلق شَيْئا فَلَيْسَ أحد مثله تَعَالَى فَلَيْسَ من يخلق وَهُوَ الله تَعَالَى كمن لَا يخلق وَهُوَ كل من سواهُ وَقَالَ تَعَالَى {وَلكُل وجهة هُوَ موليها} وَهَذَا نَص جلي من كذبه كفر وَقد علمنَا أَنه تَعَالَى لم يَأْمر بِتِلْكَ الوجهات كلهَا بل فِيهَا كفر قد نهى الله عز وَجل عَنهُ فَلم يبْق إِذْ هُوَ مولي كل وجهة إِلَّا أَنه خَالق كل وجهة لَا أحدا من النَّاس وَهَذَا كَاف لمن عقل ونصح نَفسه وَمِنْهَا قَول الله عز وَجل {هَذَا خلق الله فأروني مَاذَا خلق الَّذين من دونه} وَهَذَا إِيجَاب لِأَن الله تَعَالَى خلق كل مَا فِي الْعَالم وَإِن كل من دونه لَا يخلق شَيْئا أصلا وَلَو كَانَ هَهُنَا خَالق لشَيْء من الْأَشْيَاء غير الله تَعَالَى لَكَانَ جَوَاب هَؤُلَاءِ المقررين جَوَابا قَاطعا ولقالوا لَهُ نعم نريك أفعالنا خلقهَا من دُونك وَنعم هَاهُنَا خالقون كثير وهم نَحن لأفعالنا وَقَوله عز وَجل {أم جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه فتشابه الْخلق عَلَيْهِم قل الله خَالق كل شَيْء} وَهَذَا بَيَان وَاضح لَا خَفَاء بِهِ لِأَن الْخلق كُله جَوَاهِر وإعراض وَلَا شكّ فِي أَنه لَا يفعل الْجَوَاهِر أحد دون الله تَعَالَى وَإِنَّمَا يَفْعَله الله عز وَجل وَحده فَلم تبْق إِلَّا الْأَعْرَاض فَلَو كَانَ الله عز وَجل خَالِقًا لبَعض الْأَعْرَاض وَيكون النَّاس خالقين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت