وَقد قَالَ عز وَجل {وَلَقَد عهدنا إِلَى آدم من قبل فنسي وَلم نجد لَهُ عزما}
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَمَا نسي آدم عَلَيْهِ السَّلَام عهد الله إِلَيْهِ فِي أَن إِبْلِيس عَدو لَهُ أحسن الظَّن بِيَمِينِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا سَلامَة وَلَا بَرَاءَة من الْقَصْد إِلَى الْمعْصِيَة وَلَا أبعد من الجراءة على الذُّنُوب أعظم من حَال من ظن أَن أحدا لَا يحلف حانثًا وَهَكَذَا فعل آدم عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَام فَإِنَّهُ إِنَّمَا أكل من الشَّجَرَة الَّتِي نَهَاهُ الله عَنْهَا نَاسِيا بِنَصّ الْقُرْآن ومتأولا وقاصدًا إِلَى الْخَيْر لِأَنَّهُ قدر أَنه يزْدَاد خظوة عِنْد الله تَعَالَى فَيكون ملكا مقربًا أَو خَالِدا فِيمَا هُوَ فِيهِ أبدا فأداه ذَلِك إِلَى خلاف مَا أمره الله عز وَجل بِهِ وَكَانَ الْوَاجِب أَن يحمل أَمر ربه عز وَجل على ظَاهره لَكِن تَأَول وَأَرَادَ الْخَيْر فَلم يصبهُ وَلَو فعل هَذَا عَالم من عُلَمَاء الْمُسلمين لَكَانَ مأجورا وَلَكِن آدم عَلَيْهِ السَّلَام لما فعله وَوجد بِهِ إِخْرَاجه عَن الْجنَّة إِلَى نكد الدُّنْيَا كَانَ بذلك ظَالِما لنَفسِهِ وَقد سمى الله عز وَجل قَاتل الْخَطَأ قَاتلا كَمَا سمى الْعَامِد والمخطئ لم يتَعَمَّد مَعْصِيّة وَجعل فِي الْخَطَأ فِي ذَلِك كَفَّارَة عتق رَقَبَة أَو صِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين لمن عجز عَن الرَّقَبَة وَهُوَ لم يتَعَمَّد ذَنبا وَأما قَوْله عز وَجل {لَئِن آتيتنا صَالحا لنكونن من الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتاهما صَالحا جعلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتاهما} فَهَذَا تَكْفِير لآدَم عَلَيْهِ السَّلَام وَمن نسب لآدَم عَلَيْهِ السَّلَام الشّرك وَالْكفْر كفرا مُجَردا بِلَا خلاف من أحد من الْأمة وَنحن ننكر على من كفر الْمُسلمين العصاة العشارين القتالين وَالشّرط الْفَاسِقين فَكيف من كفر الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام وَهَذَا الَّذِي نسبوه إِلَى آدم عَلَيْهِ السَّلَام من أَنه سمى ابْنه عبد الْحَارِث خرافة مَوْضُوعَة مكذوبة من تأليف من لَا دين لَهُ وَلَا حَيَاء لم يَصح سندها قطّ وَإِنَّمَا نزلت فِي الْمُشْركين على ظَاهرهَا وَحَتَّى لَو صَحَّ أَنَّهَا نزلت فِي آدم وَهَذَا لَا يَصح أصلا لما كَانَت فِيهِ للمخالف حجَّة لِأَنَّهُ كَانَ يكون الشّرك أَو الشُّرَكَاء المذكورون فِي الْآيَة حِينَئِذٍ على غير الشّرك الَّذِي هُوَ الْكفْر لَكِن يمعنى أَنَّهُمَا جعلا مَعَ توكلهما شركَة من حفظه وَمَعْنَاهُ كَمَا قَالَ يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام {يَا بني لَا تدْخلُوا من بَاب وَاحِد وادخلوا من أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة وَمَا أُغني عَنْكُم من الله من شَيْء إِن الحكم إِلَّا لله عَلَيْهِ توكلت وَعَلِيهِ فَليَتَوَكَّل المتوكلون وَلما دخلُوا من حَيْثُ أَمرهم أبوهم مَا كَانَ يُغني عَنْهُم من الله من شَيْء إِلَّا حَاجَة فِي نفس يَعْقُوب قَضَاهَا وَأَنه لذُو علم لما علمناه وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ} فَأخْبرنَا عز وَجل أَن يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام أَمرهم أَن يدخلُوا من أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة إشفاقًا عَلَيْهِم أما من إِصَابَة الْعين وَإِمَّا من تعرض عَدو أَو مستريب باجماعهم أَو بِبَعْض مَا يخوفه عَلَيْهِم وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَام معترف أَن فعله ذَلِك وَأمره إيَّاهُم بِمَا أَمرهم بِهِ من ذَلِك لَا يُغني عَنْهُم من الله شَيْئا يُريدهُ عز وَجل بهم وَلَكِن لما كَانَت طبيعة الْبشر جَارِيَة فِي يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام وَفِي سَائِر الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام كَمَا قَالَ تَعَالَى حاكيًا عَن الرُّسُل أَنهم قَالُوا {إِن نَحن إِلَّا بشر مثلكُمْ} حملهمْ ذَلِك على بعض النّظر المخفف لحَاجَة النَّفس ونزاعها وتوقها إِلَى سَلامَة من يجب وَإِن كَانَ ذَلِك لَا يُغني شَيْئا كَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يحب الفال الْحسن فَكَانَ يكون على هَذَا معنى الشّرك والشركاء أَن يكون عوذة أَو تَمِيمَة أَو نَحْو هَذَا فَكيف وَلم تنزل الْآيَة قطّ إِلَّا فِي الْكفَّار لَا فِي آدم عَلَيْهِ السَّلَام
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) ذكرُوا قَول الله عز وَجل لنوح {فَلَا تسألن مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم إِنِّي أعظك أَن تكون من الْجَاهِلين}