فهرس الكتاب

الصفحة 654 من 708

النَّوْع الآخر وبيقين نَدْرِي أَن الشَّيْء المتحرك من مَكَان إِلَى مَكَان فَإِنَّهُ وَإِن جَاوز كل مَكَان يمر عَلَيْهِ فَإِنَّهُ غير وَاقِف وَلَا مُقيم هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ يعرف ذَلِك بضرورة الْحس فصح أَن الْحَرَكَة معنى وَأَن السّكُون معنى آخر وَأما من قَالَ أَن السّكُون حَرَكَة اعْتِمَاد فاحتجاج لَا يعقل فَلَا وَجه للاشتغال بِهِ وَأما حجَّة من احْتج بِأَن السّكُون عدم الْحَرَكَة والعدم لَيْسَ شَيْئا فَلَيْسَ كَمَا قَالَ لِأَنَّهُ عقب الْحَرَكَة إِقَامَة مَوْجُودَة ظَاهِرَة فَهِيَ وَإِن كَانَ مَعهَا بوجودها عدمت الْحَرَكَة فَلَيْسَتْ هِيَ عدمًا كَمَا أَن الْقيام معنى صَحِيح مَوْجُود وَإِن كَانَ قد عدمت مَعَه سَائِر الحركات والأعمال من الْقعُود والاتكاء والاضطجاع وَيُقَال لَهُم مَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين من قَالَ بل الْحَرَكَة لَيست معنى لِأَنَّهَا عدم السّكُون فَهَذَا مَالا انفكاك عَنهُ وَكَذَلِكَ من قَالَ أَيْضا أَن الْمَرَض لَيْسَ معنى لِأَنَّهُ عدم الصِّحَّة وَالصِّحَّة لَيست معنى لِأَنَّهَا عدم الْمَرَض وَمثل هَذَا كثير جدا وَفِي هَذَا إبِْطَال الْحَقَائِق كلهَا وَأما من قَالَ أَن التّرْك لَيْسَ معنى فخطأ لِأَن كل من دون الله تَعَالَى فَإِنَّهُ إِن ترك معنى مَا وفعلًا مَا فعلا بُد لَهُ ضَرُورَة من فعل آخر وَمعنى آخر هَذَا أَمر يُوجد بِالْمُشَاهَدَةِ والحس لَا يُمكن غير ذَلِك فصح أَن ترك من دون الله تَعَالَى لفعل مَا هُوَ أَيْضا فعل صَحِيح بِوُجُودِهِ مِنْهُ سمي تَارِكًا لما ترك ترك وَلَيْسَ الله تَعَالَى كَذَلِك بل لم يزل غير فَاعل وَلم يكن بذلك فَاعِلا للترك لِأَن ترك الْإِنْسَان للْفِعْل كَمَا بَينا عرض مَوْجُود فِيهِ وَهُوَ حَامِل لَهُ وَلَو كَانَ لترك الله تَعَالَى للْفِعْل معنى لَكَانَ قَائِما بِهِ تَعَالَى ومعاذ الله من هَذَا من أَن يكون عز وَجل حَامِلا لعرض فَلَو كَانَ أَيْضا قَائِما بِنَفسِهِ لَكَانَ جوهرًا وَالتّرْك لَيْسَ جوهرًا وَلَو كَانَ قَائِما بِغَيْرِهِ عز وَجل لَكَانَ تَعَالَى فَاعِلا لَهُ غير تَارِك فصح الْفرق وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما من أبطل الْحَرَكَة والسكون مَعًا فَقَوْل فَاسد أَيْضا لِأَنَّهُ أثبت المتحرك والساكن مَعَ ذَلِك وبيقين يدْرِي كل ذِي حس سليم أَن من تحرّك سكن فَإِن تِلْكَ الْعين المتحركة ثمَّ الساكنة هِيَ عين وَاحِدَة وَذَات وَاحِدَة لم تتبدل ذَاتهَا وَإِنَّمَا تبدل عرضهَا الْمَحْمُول فِيهَا فبالضرورة تَدْرِي أَنه حدث فِيهِ أَوله أَو مِنْهُ معنى من أَجله اسْتحق أَن يُسمى متحركًا وَأَنه حدث فِيهِ أَوله أَو مِنْهُ أَيْضا معنى من أَجله اسْتحق أَن يُسمى سَاكِنا وَلَوْلَا ذَلِك لم يكن بِأَن يُسمى متحركًا أَحَق بِهِ مِنْهُ بِأَن يُسمى سَاكِنا هَذَا أَمر محسوس مشَاهد فَذَلِك الْمَعْنى هُوَ الْحَرَكَة أَو السّكُون فصح وجودهما ضَرُورَة وَلَا فرق بَين من اثْبتْ السَّاكِن والمتحرك وَنفى الْحَرَكَة والسكون وَلَا فرق بَينه وَبَين من أثبت الضَّارِب والقائم والآكل وأبطل الضَّرْب وَالْأكل وَالْقِيَام وَهَذِه سفسطة صَحِيحَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما من قَالَ أَن الْجِسْم فِي أول خلق الله عز وَجل لَهُ لَيْسَ سَاكِنا وَلَا متحركًا فَكَلَام فَاسد أَيْضا لِأَنَّهُ لَا يتَوَهَّم وَلَا يعقل معنى ثَالِث لَيْسَ حَرَكَة وَلَا سكونًا وَهَذَا لَا يتشكل فِي النَّفس وَلَا يُثبتهُ عقل وَلَا سمع وَأَيْضًا فَلِأَنَّهُ قَول لَا دَلِيل عَلَيْهِ فَهُوَ بَاطِل وَلَا شكّ فِي أَن الله تَعَالَى إِذا خلق الْجِسْم فَإِنَّمَا يخلقه فِي زمَان وَمَكَان فَإِذا لَا شكّ فِي ذَلِك فالجسم فِي أول حُدُوثه سَاكن فِي الْمَكَان الَّذِي خلقه الله تَعَالَى فِيهِ وَلَو طرفَة عين ثمَّ إِمَّا ن يتَّصل سكونه فِيهِ فتطول إِقَامَته فِيهِ وَإِمَّا أَن ينْتَقل عَنهُ فَيكون متحركًا عَنهُ فَإِن قَالَ قَائِل بل هُوَ متحرك لِأَنَّهُ خَارج عَن الْعَدَم إِلَى الْوُجُود قيل لَهُ هَذَا مِنْك تَسْمِيَة فَاسِدَة لِأَن الْحَرَكَة فِي اللُّغَة وَهِي الَّتِي يتَكَلَّم عَلَيْهَا إِنَّمَا هِيَ نقلة من مَكَان إِلَى مَكَان والعدم لَيْسَ مَكَانا وَلم يكن الْمَخْلُوق شَيْئا قبل أَن يخلقه الله تَعَالَى فحال خلعذ هِيَ أول أَحْوَاله الَّتِي لم يكن هُوَ قبلهَا فَكيف أَن يكون لَهُ حَال قبلهَا فَلم ينْتَقل أصلا بل ابتداه الله تَعَالَى الْآن وَأما الْجِسْم الْكُلِّي الَّذِي هُوَ جرم الْعَالم جملَة وَهُوَ الْفلك الْكُلِّي فَكل جُزْء مِنْهُ مُقَدّر مَفْرُوض فَإِن أجزاءه المحيطة بِهِ من أَربع جِهَات والجزء الَّذِي يَلِيهِ فِي جِهَة عمق الْفلك هُوَ مَكَانَهُ وَلَا مَكَان لَهُ فِي الصفحة الَّتِي لَا تلِي الْأَجْزَاء الَّتِي ذكرنَا وَالله تَعَالَى يمسِكهُ بقوته كَمَا يَشَاء وَلَا يلاقيه من صفحته الْعليا شَيْء أصلا وَلَا هُنَالك مَكَان وَلَا زمَان وَلَا خلاء وَلَا ملا

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَرَأَيْت لبَعض النوكى مِمَّن ينتمي إِلَى الْكَلَام قولا ظريفًا وَهُوَ أَنه قَالَ إِن الله تَعَالَى إِذْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت