ج / 6 ص -30- ومن يصبر على الأذى فكانت مضطرة إلى الخروج فلها أن تخرج إلى أي الجانبين شاءت كما لو كانت في المفازة إلا أن هذا من وجه إنشاء سفر فيعتبر فيه المحرم بخلاف تلك المسألة ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى طريقان:
أحدهما: أنها إلى الآن كانت تابعة للزوج في السفر ألا ترى أن المعتبر نية الزوج في السفر والإقامة لا نيتها وقد زال ذلك فتكون هي منشئة سفرا من موضع أمن وغياث والعدة تمنعها من ذلك كما لو كانت في منزلها بخلاف المفازة فإنها ليست بموضع الإقامة فلا تكون هي في التحول منشئة سفرا وقالوا على هذا الطريق إذا كانت سافرت مع المحرم بغير زوج فأتاها خبر موت الزوج أو الطلاق لا يكون عليها عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى المقام فيه لأنها ماضية على سفرها لا منشئة.
والطريق الآخر أن تأثير العدة في المنع من الخروج أكثر من عدم المحرم ألا ترى أن للمرأة أن تخرج من غير المحرم ما دون مسيرة السفر وليس لها أن تخرج من منزلها في عدتها دون مدة السفر ثم فقد المحرم هنا يمنعها من الخروج بالاتفاق فلأن تمنعها العدة من الخروج وإنها ليست في موضع مخوف أولى بخلاف ما إذا كانت في المفازة فإن فقد المحرم هناك لا يمنعها من الخروج لأنها ليست في موضع القرار فكذلك العدة حتى لو وصلت إلى مصر أو قرية لم يكن لها أن تخرج بعد ذلك عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
قال: وللمعتدة أن تخرج من بيتها إلى الدار وتبيت في أي بيوت الدار شاءت لأن جميع الدار منزل واحد وعليها أن تبيت في منزلها وذلك موجود في أي بيت باتت وبالخروج إلى صحن الدار لا تصير خارجة من منزلها ألا ترى أنها في حال بقاء النكاح ليس للزوج أن يمنعها من ذلك إلا أن يكون في الدار منازل غيرهم فحينئذ لا تخرج إلى تلك المنازل لأن صحن الدار هنا بمنزلة السكة وبالوصول إليه تصير خارجة من منزلها وهي ممنوعة من ذلك في العدة.
قال: وإذا طلقها طلاقا بائنا وليس له إلا بيت واحد فينبغي أن يجعل بينه وبينها سترا وحجابا لأنه ممنوع من الخلوة بها بعد ارتفاع النكاح فيتخذ بينه وبينها سترة حتى يكون في حكم بيتين وكذلك في الوفاة إذا كان له أولاد رجال من غيرها فإذا هم وسعوا عليها وخرجوا عنها أو ستروا بينهم وبينها حجابا فلتقم حتى تنقضي عدتها وإن أبوا أن يفعلوا ذلك فلتنتقل معناه إذا أخرجوها وكان نصيبها لا يكفيها أو كانت تخاف على نفسها منهم فإذا لم يكن بهذه الصفة فلا بأس بأن تقيم معهم لأن أولاده محرم لها إلا أن يكون من ورثته من ليس بمحرم لها.
قال: بلغنا أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه نقل أم كلثوم حين قتل عمر رضي الله تعالى عنه لأنها كانت في دار الإمارة وروي أن عائشة رضي الله تعالى عنها نقلت أختها أم كلثوم حين قتل طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه.
قال: وإذا انهدم منزل المطلقة أو المتوفى عنها زوجها فهي في سعة من التحول إلى أي موضع شاءت لأن المقام في المنزل المهدوم غير ممكن فكان ذلك عذرا في التحول والتدبير