فهرس الكتاب
ج / 8 ص -153- مستهلكا به. ولو حلف لا يأكل هذه التمرة فاختلطت بتمر فأكل ذلك التمر كله حنث لأنه قد أكل تلك التمرة حقيقة فإنه يأكل تمرة تمرة وجهله بما حلف عليه لا يمنع حنثه وإن حلف لا يأكل شعيرا فأكل حنطة فيها شعير حبة حبة حنث لأنه قد أكل المحلوف عليه بيقين وهذا بخلاف ما سبق من السمن إذا كان لا يرى مكانه في السويق لأن هناك يأكل الكل جملة فما يأكله من السمن مستهلك إذا كان لا يرى مكانه وهنا إنما يأكل حبة حبة فإذا أكل حبة الشعير وحدها فقد وجد شرط الحنث حتى إذا كانت يمينه على الشراء لم يحنث لأنه يشتري الكل جملة ومشتري الحنطة لا يسمى مشتريا للشعير وإن كان فيها حبات الشعير لأن بائعها لا يسمى بائع الشعير. وإن حلف لا يأكل شحما فإن أكل شحم البطن فهو حانث وإن أكل لحما يخالطه شحم البطن فهو حانث. وإن أكل لحما يخالطه شحم يعني شحم الظهر لم يحنث في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وهو حانث في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى
وذكر الطحاوي قول محمد مع قول أبي حنيفة.
وجه قول أبي يوسف رضوان الله عليهم أجمعين أن شحم الظهر شحم بذاته ويصلح لما يصلح له الشحم فكان كشحم البطن قال الله تعالى: {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} [الأنعام: من الآية146] والمستثنى من جنس المستثنى منه هو الحقيقة. وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول هذا لحم عند الناس ألا ترى أنه لو حلف لا يأكل لحما يحنث بهذا وكذلك في العادة يقال في العربية سمين اللحم وبالفارسية فربهن.
والدليل عليه أن يمينه لو كان على الشراء لم يحنث بهذا, إلا أن أبا يوسف رحمه الله تعالى يفرق بما ذكرنا أن الشراء لا يتم به وحده بخلاف الأكل ثم سمين اللحم يستعمل استعمال اللحوم في اتخاذ القلايا, والباحات كاستعمال الشحوم. وقد بينا أن الأيمان لا تنبني على ألفاظ القرآن وفي الآية استثناء الحوايا أيضا وما اختلط بعظم وأحد لا يقول أن مخ العظم يكون شحما. وإذا حلف لا يأكل بسرا فأكل بسرا مذنبا حنث, وكذلك لو حلف لا يأكل رطبا فأكل رطبا فيه بعض البسر فهو حانث لأنه أكل المحلوف عليه حقيقة وعرفا. ولو حلف لا يأكل رطبا فأكل بسرا مذنبا حنث في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ولم يحنث في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى. وكذلك لو حلف لا يأكل بسرا فأكل رطبا وفيه شيء من البسر فهو على الخلاف أبو يوسف رحمه الله يقول المذنب لا يسمى رطبا وإنما يسمى بسرا حتى يحنث بأكله لو كانت يمينه على البسر فكيف يكون رطبا وبسرا في حالة واحدة. وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى قالا الجانب الذي أرطب منه رطب, ألا ترى أنه لو ميز ذلك وأكله وحده حنث في يمينه فكذلك إذا أكله مع غيره ولهذا يحنث لو كانت يمينه على أكل البسر لأن أحد الجانبين منه بسر وهذا ينبني على الأصل الذي بينا فإن الرطب والبسر جنس واحد, ومن اصل أبى يوسف رحمه الله تعالى أن المغلوب مستهلك بالغالب وإن كان الجنس واحدا. فأما عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى في الجنس الواحد لا يكون