ج / 9 ص -89- باب الشهادة في القذف
قال رضي الله تعالى عنه: وإذا ادعى رجل على رجل أنه قذفه ولا بينة له لم يستحلف على ذلك ولا يمين في شيء من الحدود لأن المقصود من الاستحلاف القضاء بالنكول والنكول إنما يكون بدلا والبدل لا يعمل في الحدود أو يكون قائما مقام الإقرار والحد لا يقام بما هو قائم مقام غيره إلا أن على قول الشافعي رحمه الله يستحلف في حد القذف بخلاف سائر الحدود بناء على أصله أن حد القذف حق العبد فيستحلف فيه كالتعزير والقصاص ولأن في سائر الحدود رجوعه بعد الإقرار صحيح فلا يكون استحلافه مفيدا وفي حد القذف رجوعه عن الإقرار باطل فالاستحلاف فيه يكون مفيدا كالأموال ولكنا نقول هذا حد يدرأبالشبهة فلا يستحلف فيه كسائر الحدود وهو بناء على أصلنا أن المغلب فيه حق الله تعالى على ما نبينه.
قال إلا أنه يستحلف في السرقة لأجل المال فإن أبى أن يحلف ضمن المال ولم يقطع لأن المال حق العبد وهو يثبت مع الشبهات وحقيقة المعنى فيه أن في السرقة أخذ المال فإنما يستحلف على الأخذ لا على فعل السرقة وعند نكوله يقضي بموجب الأخذ وهو الضمان كما لو شهد رجل وامرأتان بالسرقة يثبت الأخذ الموجب للضمان ولا يثبت القطع الذي ينبني على فعل السرقة فإن جاء المقذوف بشاهدين فشهدا أنه قذفه سئلا عن ماهيته وكيفيته لأنهم شهدوا بلفظ مبهم فالقذف قد يكون بالزنى وقد يكون بغير الزنى فإن لم يزيدوا على ذلك لم تقبل شهادتهم لأن المشهود به غير معلوم ولا يتمكن القاضي من القضاء بالمجهول فكذلك يمتنع عن القضاء عند امتناعهما عن بيان ما شهدا به فإن قالا نشهد أنه قال يا زاني قبلت شهادتهما وحد القاذف إن كانا عدلين لأنهم شهدوا بالقذف بالزنى وهو موجب للحد بالكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: 4] واتفق أهل التفسير أن المراد بالرمي الرمي بالزنى دل عليه قوله تعالى {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور: 4] فإن عدد الأربعة في الشهود شرط في الزنى خاصة.
وأما السنة فما روى أن هلال بن أمية لما قذف امرأته بشريك بن سحماء قال صلى الله عليه وسلم"ائت بأربعة يشهدون على صدق مقالتك وإلا فحذ في ظهرك"
قال وإن لم يعرف القاضي شهود القذف بالعدالة حبسه حتى يسأل عنهم لأنه صار متهما بارتكاب ما لا يحل من هتك الستر وأذى الناس بالقذف فيحبس لذلك ولا يكفله لأن التكفيل للتوثق والاحتياط والحد مبني على الدرء والإسقاط.
ثم ذكر أنه لا يكفل في شيء من الحدود والقصاص في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى الأول ذكره في كتاب الكفالة.
وفي قول أبي يوسف الآخر وهو قول محمد رحمهما الله تعالى يأخذ منه الكفيل في