ج / 11 ص -30- كتاب المفقود
قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي إملاء المفقود اسم لموجود هو حي باعتبار أول حاله ولكنه خفي الأثر كالميت باعتبار مآله وأهله في طلبه يجدون ولخفاء أثر مستقره لا يجدون قد انقطع عليهم خبره واستتر عليهم أثره وبالجد ربما يصلون إلى المراد وربما يتأخر اللقاء إلى يوم التناد والاسم في اللغة من الأضداد يقول الرجل فقدت الشيء أي أضللته وفقدته أي طلبته وكلا المعنيين يتحقق في المفقود فقد ضل عن أهله وهم في طلبه.
وحكمه في الشرع أنه حي في حق نفسه حتى لا يقسم ماله بين ورثته ميت في حق غيره حتى لا يرث هو إذا مات أحد من أقربائه لأن ثبوت حياته باستصحاب الحال فإنه علم حياته فيستصحب ذلك ما لم يظهر خلافه واستصحاب الحال معتبر في إبقاء ما كان على ما كان غير معتبر في إثبات ما لم يكن ثابتا وفي الامتناع من قسمة ماله بين ورثته إبقاء ما كان على ما كان وفي توريثه من الغير اثبات أمر لم يكن ثابتا له ولأن حياته باعتبار الظاهر والظاهر حجة لدفع الاستحقاق وليس بحجة للاستحقاق فلا يستحق به ميراث غيره ويندفع به استحقاق ورثته لماله بهذا الظاهر ولهذا لا تتزوج امرأته عندنا وهو مذهب علي رضي الله تعالى عنه كما بدأ به الكتاب من قوله في امرأة المفقود أنها امرأة ابتليت فلتصبر حتى يستبين موت أو طلاق وبه كان يأخذ إبراهيم كما قال.
قد سمعنا أن امرأته تتربص أربع سنين وليس ذلك بشيء هي امرأة ابتليت فلتصبر وتربص أربع سنين كان يقول به عمر رضي الله تعالى عنه في الابتداء ثم رجع إلى قول علي رضي الله عنه. ومالك كان يأخذ بقول عمر رضي الله عنه فيقول الظاهر أنه يوقف على خبره بعد هذه المدة أن لو كان حيا والبناء على الظاهر واجب فيما لا يوقف على حقيقته خصوصا إذا وقعت الحاجة إلى دفع الضرر عنها وقد مست الحاجة إلى دفع الضرر عنها لكيلا تبقى معلقة ألا ترى أنه يفرق بين العنين وامرأته بعد مضي سنة لدفع الضرر عنها وبين المولى وامرأته بعد أربعة أشهر لدفع الضرر عنها ولكن عذر المفقود أظهر من عذر المولى والعنين فيعتبر في حقه المدتان في التربص وذلك بأن تجعل الشهور سنين فلهذا تتربص ولا نأخذ بهذا لأن نكاحه حقه وهي حي في إبقاء ملكه وحقه عليه ولو مكنا زوجته من أن تتزوج كان فيه حكم بالموت ضرورة إذ المرأة لا تحل لزوجين في حالة واحدة فيجب قسمة ماله أيضا وذلك ممتنع