ج / 11 ص -36- عقار أو عرض في يدي رجل أو حق من الحقوق فإن الوكيل لا يخاصم فيه من جحده لأنه ليس بخصم عن المفقود إنما هو حافظ لماله فقط وحفظه يتحقق فيما وصلت يده إليه فأما الخصومة وإقامة البينة فيما لم يكن في يده قط ليس من الحفظ فيكون الوكيل كأجنبي آخر إلا أن يكون القاضي قد ولاه ذلك ورآه وأنفذ الخصومة بينهم فيه فيجوز حينئذ لأنه مما اختلف فيه القضاة يعني بهذا القضاء على الغائب بالبينة فإنه مختلف فيه بين العلماء رحمهم الله فينفذ قضاء القاضي فيه وكذلك إن مات غريم من غرمائه وقد أقر له بدينه في وصيته عزلت حق المفقود من ذلك وجعلته على يدي وكيله لأن ذلك من الحفظ وإن لم يكن أوصى به وعليه ديون لغيره لم يكن لورثة المفقود ووكيله في ذلك خصومة إلا أن يراه القاضي فيقضي به فحينئذ ينفذ قضاؤه لكونه مجتهدا فيه.
فإن قيل: المجتهد فيه نفس القضاء فينبغي أن يتوقف على إمضاء قاض آخر كما لو كان القاضي محدودا في قذف.
قلنا: لا كذلك بل المجتهد فيه سبب القضاء وهو أن البينة هل تكون حجة من غير خصم حاضر أم لا فإذا رآها القاضي حجة وقضى بها نفذ قضاؤه كما لو قضى بشهادة المحدود في قذف وإن ادعى إنسان على المفقود حقا من دين أو وديعة أو شركة في عقار أو رقيق أو طلاق أو عتاق أو نكاح أو رد بعيب أو مطالب باستحقاق لم يلتفت إلى دعواه ولم تقبل منه البينة ولم يكن هذا الوكيل ولا أحد من ورثته خصما له أما الوكيل فلأنه نصب للحفظ فقط وأما الورثة فلأنهم يخلفونه بعد موته ولم يظهر موته فإن رأى القاضي سماع البينة وحكم بذلك نفذ حكمه لما بينا أنه أمضى فصلا مختلفا فيه باجتهاده وإذا رجع المفقود حيا لم يرجع في شيء مما أنفق القاضي أو وكيله بأمره على زوجته وولده من ماله وغلته ودينه لأن القاضي لما ثبت له ولاية الإنفاق كان فعله كفعل المفقود بنفسه وكذلك ما أنفقوا هم على أنفسهم من دنانير أو دراهم في وقت حاجتهم إلى النفقة لما بينا أنهم إذا ظفروا بجنس حقهم وسعهم أخذه بالمعروف فلا يضمنون شيئا من ذلك وكذلك إن كان في ماله طعام فأكلوه لأن ذلك من جنس حقهم وكذلك إن كان في ماله ثياب فلبسوها للكسوة لأن ذلك من جنس حقهم فأما ما سوى ذلك من العروض إن باعوا شيئا منه كانوا ضامنين له ألا ترى أن القاضي لا يبيع شيئا من ذلك للانفاق عليهم؟ فكذلك لا يملكون بيعه وإنما لا يبيع القاضي مالا يخاف عليه الفساد في النفقة لأن في بيع ذلك في النفقة حجرا على الغائب وأبو حنيفة لا يرى الحجر عليه وهما وإن كانا يريان الحجر على من لزمه حق فذلك عند ظهور تعنته وامتناعه وبهذا الطريق يقول لا يقضي القاضي دين المفقود من ماله وكذلك مهر امرأته والنفقات المجتمعة عليه قبل أن يفقد لأن ذلك لا يرجع إلى حفظ ملكه بل فيه نوع حجر عليه ولم يذكر في الكتاب أنه إذا لم يكن للمفقود مال وطلبت زوجته من القاضي أن يقضي لها بالنفقة على زوجها هل يجيبها إلى ذلك وكان أبو حنيفة رحمه الله يقول أولا يجيبها إلى ذلك وهو قول إبراهيم النخعي رحمه الله ثم