فهرس الكتاب
ج / 12 ص -31- أحدكما في الوقف على مذهبه أن الوقف يتم بفعل الواقف من غير تسليم إلى المتولى وعند محمد لا يصير مسجدا ما لم يصل الناس فيه بالجماعة بنى على مذهبه أن الوقف لا يتم إلا بالتسليم إلى المتولى وعن أبي حنيفة فيه روايتان في رواية الحسن عنه يشترط إقامة الصلاة فيه بالجماعة وفي رواية غيره عنه قال إذا صلى فيه واحد يصير مسجدا وإن لم يصل بالجماعة وجه رواية الحسن أن تمام التبرع بحصول المقصود به بدليل الصدقة فالمقصود بها إغناء المحتاج ثم لا يتم ما لم يحصل هذا المقصود بالتسليم إليه فهنا المقصود من المساجد إقامة الصلاة فيها بالجماعة لأن جميع وجه الأرض موضع الصلاة وإنما تبنى المساجد لإقامة الصلاة فيها بالجماعة فلا تصير مسجدا قبل حصول هذا المقصود. وجه الرواية الأخرى أن المقصود أن المسجد موضع السجود وقد حصل ذلك بالصلاة فيه منفردا كان أو بجماعة وقد بينا أن الواحد من المسلمين ينوب عن جماعتهم فيما هو حقهم فتجعل صلاة الواحد فيه كصلاة الجماعة وقد بينا نظيره في نزول الخان والدفن في المقبرة.
وروى عن معاذ بن جبل وبن عباس وشريح والحسن والشعبي رضي الله عنهم قالوا لا تجوز الصدقة حتى يقبض وبه نأخذ فنقول أن الصدقة لا تتم إلا بالقبض بخلاف ما يقوله مالك رحمه الله تعالى وهذا لأن المتصدق يجعل ما يتصدق به خالصا لله تعالى بإخراجه عن ملكه وحقه ولا يتم ذلك إلا بالإخراج من يده ولا خلاف فيه بين العلماء رحمهم الله تعالى في الصدقة المنفذة وقال أهل المدينة رحمهم الله تعالى مجرد الإعلام يكفي لذلك لما جاء في الأثر عن بن مسعود رضي الله عنه وغيره إذا أعلمت الصدقة جازت وجعلوا ذلك قياس العتق فإن العتق يزيل المعتق عن ملكه ويجعله لله تعالى ثم يتم ذلك بنفسه فكذلك الصدقة ولأن الآخذ للصدقة هو الله تعالى قال الله تعالى: {وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} [التوبة: من الآية104] وقال عليه الصلاة والسلام:"إن الصدقة تقع في كف الرحمن فيربيها كما يربي أحدكم فلوه حتى تصير مثل أحد"ولكنا نقول هذا في ضمن الإتصال إلى الفقير ليكون الفقير آخذا كفايته من الله تعالى فإنه عبد الله وكفاية العبد على مولاه وقد وعد له ذلك بقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: من الآية6] ولهذا لم يكن للمعطى منه على القابض وهذا المقصود لا يحصل قبل التسليم إلى الفقير فلا تتم الصدقة بخلاف العتق فالعبد في يد نفسه فيصير قابضا نفسه مع أن المعتق متلف للملك والرق فيه والإتلاف يتم بالتلف والمتصدق غير متلف للملك بل جاعل الملك لله تعالى خالصا وذلك في ضمن التمليك من الفقير فكما أن التمليك من الفقير لا يتم إلا بالتسليم إليه فكذلك جعله لله تعالى فأما الصدقة الموقوفة على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى تلزم بالإعلام وإن لم يخرجها من يده إلى يد المتولى وعلى قول محمد رحمه الله تعالى لا يتم إلا بالإخراج من يده والتسليم إلى المتولي وهو قول ابن أبي ليلى وحجته في ذلك أن إزالة الملك بطريق التبرع فتمامه بالتسليم كما في الصدقة المنفذة وهذا لأنه لو لزمه قبل التسليم لصارت يده مستحقة عليه والتبرع لا يصلح سببا للاستحقاق على المتبرع في غير ما تبرع به