فهرس الكتاب

الصفحة 2233 من 5509

ج / 12 ص -48- العوض إليه وذلك في حق الرجوع بعد التسليم وفي قوله تعالى: {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء:86] ما يدل على ذلك وقد بينا أن المراد بالتحية العطية قال القائل:

تحيتهم بيض الولائد بينهم

يريد عطاياهم: وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام:"من وهب هبة ثم أراد أن يرجع فيها فليوقف وليعرف قبح فعله"وفي رواية حسن فعله فإن أبى يرد عليه والمراد حسن فعله في الهبة وقبح فعله في الرجوع.

وعن فضالة بن عبيد أن رجلين اختصما إليه فقال أحدهما أني وهبت لهذا بازيا ليثيبني ولم يثبني فأنا أرجع فيه فقال فضالة: لا يرجع في الهبة إلا النساء والشرار من الناس اردد وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال الواهبون ثلاثة: رجل وهب على وجه الصدقة فليس له أن يرجع فيها ورجل استوهب فوهب فله أن يرجع فيها ما لم يعوض ورجل وهب بشرط العوض فهي دين له في حياته وبعد موته والمعنى فيه أنه يمكن الخلل في المقصود بالعقد فيتمكن العاقد من الفسخ كالمشتري إذا وجد بالمبيع عيبا وبيان ذلك أن المقصود من الهبة للأجانب العوض والمكافأة والمرجع في ذلك إلى العرف والعادة الظاهرة أن الإنسان يهدي إلى من فوقه ليصونه بجاهه وإلى من دونه ليخدمه وإلى من يساويه ليعوضه وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لوفد ثقيف لما أتوه بشيء أصدقة أم هبة فالصدقة يبتغي بها وجه الله تعالى والهبة يبتغي فيها وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وقضاء الحاجة ومنه يقال للأيادي قروض وقال القائل:

وإذا جوزيت قرضًا فأجزه إنما يجزى الفتى ليس الحمل

وبهذا يتبين أن حق الرجوع ليس بمقتضى العقد عندنا بل لتمكن الخلل في المقصود بالعقد على معنى أن المعروف كالمشروط ولا يقال إنما يقصد العوض بالتجارات فأما المقصود بالهبة إظهار الجود والسخاء والتودد والتحبب وقد حصل ذلك وهذا لأن العوض في التجارات مشروط وفي التبرعات مقصود ومعنى إظهار الجود أيضا مقصود فإنما يمكن الخلل في بعض المقصود وذلك يكفي للفسخ مع أن إظهار الجود مقصود كريم الخلق ولهذا يقول الراجع في الهبة لا يكون كريم الخلق فأما مقصود طيبة النفس العوض ومعنى التودد إنما يحصل بالعوض كما قال عليه الصلاة والسلام:"تهادوا تحابوا"فإن التفاعل يقتضي وجود الفعل من الجانبين كالمفاعلة فأما الحديث فالمراد به أن لا ينفرد بالرجوع من غير قضاء ولا رضا إلا الوالد إذا احتاج إلى ذلك فينفرد بالأخذ لحاجته وسمى ذلك رجوعا باعتبار الظاهر وإن لم يكن رجوعا في الحكم كما روى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حمل على فرس في سبيل الله ثم رأى ذلك الفرس يباع فأراد أن يشتريه فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: لا تعد في صدقتك والشراء لا يكون رجوعا في الصدقة حكما والمراد لا يحل الرجوع بطريق الديانة والمروءة وهو كقوله عليه الصلاة والسلام:"لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت