فهرس الكتاب
ج / 2 ص -69- يقع لمن كان في آخر الصفوف وعائشة رضي الله عنها كانت واقفة في صف النساء وبن عباس في صف الصبيان في ذلك الوقت فلهذا نقلا كما وقع عندهما ولو كان هذا صحيحا لكان أمرا بخلاف المعهود فينقلها الكبار من الصحابة الذين كانوا يلون رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيث لم يروها أحد منهم دل أن الأمر كما قلنا.
ثم هذه الصلاة لا يقيمها بالجماعة إلا الإمام الذي يصلي بالناس الجمعة والعيدين فأما أن يصلي كل فريق في مسجدهم فلا لأنه أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يقيمها الآن من هو قائم مقامه وإن لم يقمها الإمام صلى الناس فرادى إن شاؤوا ركعتين وإن شاؤوا أربعا لأن هذا تطوع والأصل في التطوع اداؤها فرادى إن شاؤوا ركعتين وإن شاؤوا أربعا وذلك أفضل ثم إن شاؤوا طولوا القراءة وإن شاؤوا قصروا ثم اشتغلوا بالدعاء حتى تنجلي الشمس فإن عليهم الاشتغال بالتضرع إلى أن تنجلي وذلك بالدعاء تارة وبالقراءة أخرى وصح في الحديث أن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى كان بقدر سورة البقرة وفي الركعة الثانية بقدر سورة آل عمران فالأفضل أن يطول القراءة فيها.
فأما كسوف القمر فالصلاة حسنة وكذلك في الظلمة والريح والفزع لقوله عليه الصلاة والسلام:"إذا رأيتم شيئا من هذه الأهوال فافزعوا إلى الصلاة". وعاب أهل الأدب على محمد رحمه الله تعالى، في هذا اللفظ وقالوا: إنما يستعمل في القمر لفظ الخسوف قال الله تعالى: {فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ} [القيامة: 7-8] ولكنا نقول الخسوف ذهاب دائرته والكسوف ذهاب ضوئه دون دائرته فإنما أراد محمد هذا النوع بذكر الكسوف ثم الصلاة فيها فرادى لا بجماعة لأن كسوف القمر بالليل فيشق على الناس الاجتماع وربما يخاف الفتنة ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيها بالجماعة. والأصل في التطوعات ترك الجماعة فيها ما خلا قيام رمضان لاتفاق الصحابة عليه وكسوف الشمس لورود الأثر به. ألا ترى أن ما يؤدى بالجماعة من الصلاة يؤذن لها ويقام ولا يؤذن للتطوعات ولا يقام فدل أنها لا تؤدى بالجماعة.
قال:"ولا يجهر بالقراءة في صلاة الجماعة في كسوف الشمس في قول أبي حنيفة رضي الله عنه ويجهر بها في قول أبي يوسف رحمه الله وقول محمد رحمه الله تعالى مضطرب"وجه قول أبي يوسف رحمه الله تعالى حديث علي رضي الله عنه أنه جهر بالقراءة في صلاة الكسوف ولأنها صلاة مخصوصة تقام بجمع عظيم فيجهر فيها بالقراءة كالجمعة والعيدين. وجه قول أبي حنيفة رضي الله عنه حديث ابن عباس وسمرة بن جندب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمع منه حرف من قراءته في صلاة الكسوف ولأنها صلاة النهار وفي الحديث:"صلاة النهار عجماء"، أي ليس فيها قراءة مسموعة وتأويل حديث علي رضي الله عنه أنه وقع اتفاقا أو تعليما للناس أن القراءة فيها مشروعة.