ج / 23 ص -4- الوظيفة, وإن شاء جعل عليها خراج المقاسمة وهذا أصح التأويلين فإنه لم ينقل عن أحد من الولاة أنه تصرف في رقابهم أو رقاب أولادهم كالتصرف في المماليك وكذلك عمر رضي الله عنه أجلاهم ولو كانوا عبيدا للمسلمين لما أجلاهم فالمسلم إذا كان له مملوك في أرض العرب يتمكن من إمساكه واستدامة الملك فيه فعرفنا أن الثاني أصح ثم بين لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ما فعله من المن عليهم بنخيلهم وأراضيهم غير مؤبد بقوله عليه الصلاة والسلام"أقركم ما أقركم الله"وهذا منه شبه الاستثناء وإشارة إلى أنه ليس لهم حق المقام في نخيلهم على التأبيد لأنه علم من طريق الوحي أنه يؤمر بإجلائهم فتحرز بهذه الكلمة عن نقض العهد لأنه كان أبعد الناس عن نقض العهد والغدر وفيه دليل أن المن المؤقت صحيح سواء كان لمدة معلومة أو مجهولة وأن الغدر ينتفي بمثل هذا الكلام وإن لم يفهم الخصم فإنهم لم يفهموا مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صح منه التحرز عن الغدر بهذا اللفظ قال وإن بني عذرة جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر وجاءته يهود وادي القرى شركاء بني عذرة بالوادي فأعطوا بأيديهم وخشوا أن يغزوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهؤلاء كانوا بالقرب من أهل خيبر وإن اليهود بالحجاز كانوا ينتظرون ما يئول إليه حال النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل خيبر فقد كانوا أعز اليهود بالحجاز كما روي أنه كان بخيبر عشرة آلاف مقاتل فلما صاروا مقهورين ذلت سائر اليهود وانقادوا لطلب الصلح فمنهم يهود وادي القرى جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطوا بأيديهم أي انقادوا له وطلبوا الأمان وخشوا أن يغزوهم فكان هذا من النصرة بالرعب كما قال عليه الصلاة والسلام نصرت بالرعب مسيرة شهر فلما أعطوا بأيديهم والوادي حين فعلوا ذلك نصفان نصف لبني عذرة ونصف لليهود فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الوادي أثلاثا ثلثا له وللمسلمين وثلثا خاصة لبني عذرة وثلثا لليهود فكان هذا بطريق الصلح من رسول الله صلى الله عليه وسلم, فدل أن للإمام أن يصالح أهل بلده على بعض الأموال والأراضي إذا رضوا بذلك ثم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هم بإجلاء اليهود إلى الشام على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجتمع في جزيرة العرب دينان وقال عليه الصلاة والسلام إن عشت إلى قابل لأخرجن نجران من جزيرة العرب وكان في ذلك إظهار فضيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضيلة أمته حيث أن جزيرة العرب مولده ومنشأه طهر الله تلك البقعة عن سكني غير المؤمن فيها وهي أفضل البقاع لأن فيها الحرم وبيت الله تعالى حرم الله تعالى نعم مشاركة غير المؤمن مع المؤمن في السكنى فيها إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يتمم ذلك ولم يتفرغ أبو بكر الصديق رضي الله عنه لذلك لأنه لم تطل مدة خلافته وقد كان مشغولا بقتال أهل الردة حتى إذا كان في زمن عمر رضي الله عنه وكان قد سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلى اليهود من خيبر وأمر يهود الوادي أن يتجهزوا بالجلاء إلى الشام وكان المعنى في ذلك أن اليهود إنما جاؤوا من الشام إلى أرض الحجاز وكان مقصود رؤسائهم من ذلك طلب الحنيفية لما وجدوا في كتبهم من بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعت أمته وبذلك كان يوصي بعضهم بعضا فلما بعث الله تعالى