فهرس الكتاب
ج / 27 ص -119- قال: إلا أن يكون له عطاء معهم فتكون عليه حصته من ذلك لأنه في مقدار حصته يقر على نفسه وفي حصة عواقلهم يقر عليهم فيؤخذ بما أقر به على نفسه وهذا يبين أن القاتل إنما يكون أحد العواقل عندنا إذا كان له عطاء في الديوان فأما إذا لم يكن فليس عليه من الدية شيء لأن الدية تؤخذ من الأعطيات.
فإن قيل: لما كان أصل الوجوب عليه وقد تحول بزعمه إلى عاقلته بقضاء القاضي فإذا توى ذلك على العاقلة بجحودهم ينبغي أن يقضي بالكل عليهم كما إذا توى الدين على المحال عليه بجحوده عاد الدين إلى ذمة المحيل.
قلنا: هذا مستقيم فيما إذا كان أصله دينا لدفع التوى عن مال المسلم وهذا أيضا لم يكن دينا عليه وإنما كان بطريق الصلة لصيانة دم المقتول عن الهدر وبعد ما تقرر على العاقلة بقضاء القاضي لا يتحول إليه بحال سواء استوفى من العاقلة أو لم يستوف والعمد الذي لا قود فيه يقضي بالدية من مال القاتل في ثلاث سنين من يوم يقضي بها القاضي لقوله عليه السلام:"لا تعقل العاقلة عمدا"ولأن ذلك للتخفيف ودفع الإجحاف عن القاتل والعامد لا يستحق ذلك.
ولو قتل عشرة رجلا فعلى عاقلة كل واحد منهم عشر الدية في ثلاث سنين لأن ما يجب على كل واحد منهم بدل النفس وبدل النفس يكون مؤجلا في ثلاث سنين فيعتبر الجزء منه بالكل ولا يعقل أهل مصر عن أهل مصر آخر وإنما يريد به إذا كان لأهل مصر ديوان على حدة أو كان تناصرهم باعتبار القرب في السكنى وأهل مصر أقرب إليه من أهل مصر آخر ويعقل أهل كل مصر عن أهل سوقهم وقراهم لأنهم أتباع لأهل المصر فإذا حزبهم أمر استنصروا بهم فأهل مصر يعقلون عنهم باعتبار معنى القرب والنصرة ومن كان منزله بالبصرة وديوانها بالكوفة عقل عنه أهل الكوفة لأنه إنما استنصر بأهل ديوانه لا بجيرانه.
ألا ترى أن القرب في السكنى لا يكون أقوى من قرب القرابة ولو أن أخوين لأب وأم ديوان أحدهما بالكوفة وديوان الآخر بالبصرة لم يعقل أحدهما عن صاحبه وإنما يعقل عن كل واحد منهما أهل ديوانه فكذلك ما سبق.
ولو أن قوما من أهل خراسان أهل ديوان واحد مختلفين في أنسابهم منهم من له ولاء ومنهم القربى ومنهم من لا ولاء له جنى بعضهم جناية عقل عنه أهل رايته وأهل فنائه وإن كان غيره أقرب إليه في النسب لأن استنصاره بأهل رايته أظهر ومن كان من أهل الديوان لا يرجع في استنصاره إلى عشيرته عادة ولأن عطاء أهل راية واحدة إنما يخرج من بيت المال جملة واحدة فهم في ذلك كنفس واحدة وإن كان عدد أهل رايته قليلا ضم إليهم الإمام من رأى من أهل الديوان حتى يجعلهم عاقلة واحدة لدفع الإجحاف عن أهل رايته وإنما يضم إليهم الإمام من يكون أقرب إليهم في معنى النصرة إذا حزبهم أمر في ذلك وإنما يعرف ذلك الإمام فجعل مفوضا إلى رأيه لهذا ومن لا ديوان له من أهل البادية ونحوهم تعاقلوا على الأنساب.