ج / 27 ص -126- عاقلته وقت القضاء وأستوضح هذا بما بينا أن نفس القتل الواجب عليه النفس فإنما يتحول إلى الدية بقضاء القاضي وعند القضاء العاقلة يتحملون عنه فمن ضرورته أن يكون الوجوب عليه أولا والدليل عليه ما ذكرنا من الإقرار بقتل الخطأ ثم استوضح هذا بمسألة مبتدأة فقال كان أبو حنيفة رحمه الله يقول لو أن رجلا قتل رجلا خطأ فلم يقض عليه بالدية حتى صالحة على عشرين ألف درهم أو على ألفي دينار أو على مائتي بعير أو ثلاثة آلاف شاة أو ثلاثمائة بقرة لم يجز ذلك ورد إلى الدية ولو قضى القاضي عليه بألف دينار فصالح على عشرين ألف درهم أو على مائتي بعير بأعيانها كان جائزا فبهذا يتبين أن النفس إنما تصير مالا بقضاء القاضي فالقضاء ما يقع عليه الصلح بدل النفس وبدل النفس شرعا مقدرة بعشرة آلاف درهم أو مائة من الإبل فالصلح على أكثر من ذلك باطل وبعد قضاء القاضي بالدنانير قد وجبت الدنانير فإنما يقع الصلح بعد ذلك من الدنانير على الدراهم أو الإبل.
ثم هذه المسألة لا يستقيم جوابها على أصل أبي حنيفة فإن عنده البقر والغنم ليسا بأصل في الدية ولا يدخلهما التقدير فينبغي أن يجوز الصلح عنده على أي مقدار كان منها وقيل بل هو مستقيم لأن عنده القاضي لو قضى في الدية بالبقر والغنم كان قضاؤه نافذا فيما يقضي بألفي شاة ومائتي بقرة لأن ذلك مجتهد فيه فينفذ قضاء القاضي به وكذلك إذا اصطلح الخصمان لأن صلحهما في حقهما كقضاء القاضي به.
ولو قضى القاضي في الدية بثلاثة آلاف شاة أو ثلاثمائة بقرة لم يجز قضاؤه فكذلك إذا اصطلح الخصمان على ذلك.
ولو أقر رجل بقتل رجل خطأ عند القاضي وأقام ولي الجناية عليه البينة قضى بالدية على العاقلة لأن الولي محتاج إلى هذه البينة فوجب قبولها وبه يتبين أن المال لا يجب بدون القضاء لأن الإقرار موجب بنفسه فلو وجب المال به عليه لا يستقيم قبول البينة من الولي بعده والقضاء به على العاقلة فإن قال الولي بعد الإقرار به لا أعلم لي بينة فاقض لي بها عليه في ماله فقضي القاضي بها في مال المقر ثم وجد ولي الجناية بينة فأراد أن يحول ذلك إلى العاقلة لم يكن له ذلك لأن المال قد وجب عليه بقضاء القاضي فلا يكون للولي أن يبطل قضاءه ببينته فتحول ذلك إلى العاقلة ولو قال الولي لا تعجل بالقضاء في ماله لعلي أجد بينة فأخره القاضي ثم وجد بينة قضى له على العاقلة لما بينا.
ولو أن رجلا من أهل البادية حفر بئرا في الطريق ثم أن الإمام نقل أهل البادية إلى الأمصار فتفرقوا فيها وصاروا أصحاب أعطية ثم وقع في تلك البئر إنسان كانت الدية على عاقلته يوم وقع الرجل في البئر لأن عند الوقوع في البئر يصير جانيا بالحفر السابق وأورد هذا النوع لإيضاح ما سبق من الفرق بين هذا الحفر وغيره.
قال: وكذلك لو حفر وهو من أهل العطاء ثم أبطل الإمام عطاءهم وردهم إلى أنسابهم فتعاقلوا عليها زمانا طويلا ثم مات إنسان في البئر كان عليه اليوم الذي وجب المال فيه لما