ج / 30 ص -249- التناسل بين الذكور والإناث وبهذه الأسباب لا يختل هذا المعنى والأصح أن نقول هذه المحرمات ثابتة بالنص وهي مستحسنة في عقول العقلاء أيضا عند رفض العادات السيئة والعاقل يحرص على حماية أمه وابنته وأخته ودفع العار والشنار عنهما كما يحرص على دفع ذلك عن نفسه والمقصود بالنكاح الاستعراض للوطء والعاقل يأنف من ذلك الفعل في أمه وابنته كما يأنف من ذلك في نفسه.
ألا ترى أن الله تعالى أشار إلى ذلك في الأخبار عن الذين لم يعرفوا الشريعة وكانوا عقلاء فقال جل وعلا: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى} إلى قوله تعالى: {أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ} [النحل: 58-59] فإذا كان يأنف من ذلك كيف يستجيز من نفسه أن يباشر فعله وكذا يأنف من ذلك في حق امرأة أبيه التي ربته وهي بمنزلة أمه باعتبار التربية وفي حق امرأة ابنه التي هي له بمنزلة الولد والمتولد منها يكون ولدا له وكذلك يأنف من ذلك باعتبار الرضاع الذي هو أحد سببي الكون فإن النشر والتسوية يحصل به ولهذا كانوا في الجاهلية يعظمون أمر الرضاع كما يعظمون أمر النسب ثم بسبب النسب تتمكن بينهما العصبية أو شبه العصبية وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:"أولادنا أكبادنا"وقال صلى الله عليه وسلم:"إن فاطمة بضعة مني إلا ما كان لآدم صلوات الله عليه"وقد كان ذلك بطريق الكرامة لكون الأصل الأول واحدا كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1] ثم شبهة التعصبية تعتبر بحقيقة العصبية وفي المصاهرة شبهه العصبية باعتبار الواسطة وفي الرضاعة شبهة العصبية باعتبار البنوة وإليه أشار صلى الله عليه وسلم في قوله:"الرضاع ما أنبت اللحم وانشر العظم"ثم بين نوعا آخر من الحرمة فقال: ومن ذلك ما حرم بالكفر قال الله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 121] وهذا في المعنى ليس نظير ما تقدم فتلك حرمة مؤبدة وهذه حرمة مؤقتة إلى غاية هي الإسلام وهذا النوع من الحرمة سبعة أيضا.
أحدها: إذا كان تحت الرجل امرأة فأختها محرمة عليه إلى غاية وهي أن يفارقها وكذلك ما في معنى الأخت كالعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت ثبت ذلك بقوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: 23] وبقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أختها ولا على ابنة أخيها".
والثانية: إذا كان تحته أربعة نسوة فالخامسة محرمة عليه إلى أن يفارق إحدى الأربع ثبت ذلك بقوله تعالى: {مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] وباجماع الجمهور من علماء المسلمين رحمهم الله على حرمة الجمع بين أكثر من أربع نسوة.
والثالثة: إذا كان تحته حرة فالأمة محرمة عليه إلى غاية وهي أن يفارق الحرة ثبت ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تنكح الأمة على الحرة"وهي حرمة ثابتة شرعا عندنا لا لحق المرأة حتى أنها وإن رضيت لم تحل إلا على قول مالك رضي الله عنه فإنه يقول إذا رضيت الحرة جاز وذكر في الكتاب هذا القول منسوبا إلى بعض العلماء ومراده مالك رضي الله عنه.