ج / 4 ص -5- واختلف مشايخنا رحمهم الله تعالى فيما إذا تطيب بعد إحرامه وكفر ثم تحول الطيب مع عرقه من موضع إلى موضع.
فمنهم من يقول: لا تلزمه كفارة جديدة لأن أصل فعله قد انقطع بالتكفير فلا معتبر بأثره كما لو فعله قبل الإحرام.
ومنهم من قال: تلزمه كفارة أخرى هنا لأن أصل فعله كان محظورا فتحوله من موضع إلى موضع يكون جناية أيضا في حكم الكفارة بخلاف ما قبل الإحرام فإن أصل فعله لم يكن محظورا ثم لا معتبر ببقاء الأثر بعد الإحرام إذا كان أصل فعله قبل الإحرام كالحلق.
ثم قال وصلى ركعتين لحديث عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أتاني آت من ربي وأنا بالعقيق فقال: صل في هذا الوادي المبارك ركعتين وقل لبيك بحجة وعمرة معا".
وفيما ذكر جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بذي الحليفة ركعتين عند إحرامه ثم قال:"وقل اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني"لأنه محتاج في أداء أركانه إلى تحمل المشقة ويبقي في ذلك أياما فيطلب التيسير من الله تعالى إذ لا يتيسر للعبد إلا ما يسره الله تعالى ويسأل القبول كما فعله الخليل وإسماعيل صلوات الله عليهما في قولهما ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ولم يأمر بمثل هذا الدعاء لمن يريد افتتاح الصلاة لأن أداءها يسير عادة ولا تطول في أدائها المدة.
فأما أركان الحج متفرقة على الأمكنة والأزمنة ولا يؤمن فيها اعتراض الموانع عادة فلهذا أمر بتقديم سؤال التيسير قال ثم لب في دبر صلواتك تلك فإن شئت بعد ما يستوي بك بعيرك والكلام فيه في فصول:
أحدها: في اشتقاق التلبية لغة فقيل هو مشتق من قولهم ألب الرجل إذا أقام في مكان فمعنى قول القائل لبيك أنا مقيم على طاعتك وقيل هو مشتق من قولهم داري تلب دارك أي تواجهها فمعنى قوله لبيك اتجاهي لك يا رب وقيل هو مشتق من قولهم امرأة لبة أي محبة لزوجها فمعناه محبتي لك يارب.
والثاني: أن المختار عندنا أن يلبي من دبر صلواته وهذا قول بن عباس رضي الله عنه وكان بن عمر رضي الله عنه يقول يلبي حين تستوي به راحلته وذكر جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لبى حين علا البيداء إلا أن بن عمر رضي الله عنه رد هذا فقال: إن بيداءكم هذه تكذبون فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما لبى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استوت به راحلته وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال قلت لابن عباس رضي الله عنه كيف اختلف الناس في وقت تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم وما حج إلا مرة واحدة؟ قال لبى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دبر صلواته فسمع ذلك قوم من أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين فنقلوه وكانوا القوم يأتونه أرسالا فلبى حين استوت به راحلته فسمع تلبيته قوم فظنوا أنه أول تلبيته فنقلوا