فهرس الكتاب

الصفحة 845 من 5509

ج / 5 ص -4- رضاها كالثيب وتأثيره أن الحرية والخطاب وصفان مؤثران في استبداد المرء بالتصرف وزوال ولاية الافتيات عليه كما في حق المال والغلام, وبقاء صفة البكارة تأثيره في عدم الاهتداء بسبب انعدام التجربة والامتحان ولهذا لا تثبت ولاية الافتيات عليه كما في المال.

فإن الظاهر إن من يبلغ لا يكون مهتديا إلى التصرفات قبل التجربة والامتحان, ولكن الاهتداء وعدم الاهتداء لا يوقف على حقيقته وتختلف فيه أحوال الناس. فأقام الشرع البلوغ عن عقل مقام حقيقة الاهتداء تيسيرا للأمر على الناس, وسقط اعتبار الاهتداء الذي يحصل قبل البلوغ بسبب التجربة, ويسقط اعتبار الجهل الذي يبقى بعد البلوغ لعدم التجربة.

ألا ترى أن البكر التي لا أب لها غير مهتدية كالتي لها أب؟ ثم اعتبار رضاها في تزويجها بالاتفاق وكذلك إقرارها بالنكاح يصح. فلو كان بقاء صفة البكارة في حقها كبقاء صفة الصغر لم يجز إقرارها بالنكاح. وإما قبض الصداق فعندنا لو نهت الأب عن قبض صداقها لم يكن له أن يقبض ولكنه عند عدم النهي له أن يقبض لوجود الأذن دلالة, فإن الظاهر أن البكر تستحي من قبض صداقها وأن الأب هو الذي يقبض لتجهيزها بذلك مع مال نفسه إلى بيت زوجها فكان له أن يقبض لهذا. وبعد الثيوبة لا توجد هذه العادة لأن التجهيز من الآباء بالإحسان مرة بعد مرة لا يكون فصار الأب في المرة الثانية كسائر الأولياء.

قال: وإن سكتت حين بلغها عقد الأب, فالنكاح جائز عليها لأن الشرع جعل السكوت منها رضا لعلة الحياء, فإن ذلك يحول بينها وبين النطق فتكون بمنزلة الخرساء. فكما تقوم أشارة الخرساء مقام عبارتها فكذلك يقام سكوت البكر مقام رضاها وكان محمد بن مقاتل رحمه الله تعالى يقول: إذا استأمرها قبل العقد فسكتت فهو رضا منها بالنص فأما إذا بلغها العقد فسكتت لا يتم العقد, لأن الحاجة إلى الإجازة هنا والسكوت لا يكون إجازة منها لأن هذا ليس في معنى المنصوص. فإن السكوت عند الاستئمار لا يكون ملزما وحين يبلغها العقد الرضا يكون ملزما فلا يثبت ذلك بمجرد السكوت. ولكنا نقول: هذا في معنى المنصوص لأن عند الاستئمار لها جوابان نعم أو لا فيكون

سكوتها دليلا على الجواب الذي يحول الحياء بينها وبين ذلك وهو نعم لما فيه من إظهار الرغبة إلى الرجال. وكذلك إذا بلغها العقد فلها جوابان: أجزت أو رددت فيجعل السكوت دليلا على الجواب الذي يحول الحياء بينها وبين ذلك وهو الإجازة.

قال: وكذلك لو ضحكت لأن الضحك أدل علي الرضا بالتصرف من السكوت بخلاف ما إذا بكت فإن البكاء دليل السخط والكراهة. وقد قال بعض المتأخرين هذا إذا كان لبكائها صوت كالويل فأما إذا خرج الدمع من عينها من غير صوت البكاء لم يكن هذا ردا, بل هي تحزن علي مفارقة بيت أبويها وإنما يكون ذلك عند الإجازة وكذلك قالوا: إن ضحكت كالمستهزئة لما سمعت لا يكون رضا والضحك الذي يكون بطريق الاستهزاء معروف بين الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت