فهرس الكتاب

الصفحة 1286 من 4491

الكاتب: محمد رشيد رضا

انتشرت الهيضة الوبائية في سوريا حتى كادت تعمها. ظهرت أولًا في ولاية

الشام، ثم في ولاية بيروت، وأصابت بلادًا من فِلَسطين وولاية حلب. وأن فتكها في

طرابلس والشام وحِمْص أشد منه في سائر البلاد، وقد بلغنا أن أكثر أهالي طرابلس

هلعوا وجزعوا وفرّ نحو ثلثهم إلى لبنان قبل انتشار الوباء، وأكثر الفارين من

النصارى. ومن بقي في البلدة ومينائها فهم فريقان متناقضان في العلم والعمل -

الفريق الأول أكثر المسلمين، وهم يعتقدون أن الوباء سوط سماوي يصب على بعض

الناس بدون سبب لقبول المزاج له أو لوقوعه بمن يصاب به، وإنما يكون لمحض

الإرادة الإلهية الخفية فلا تنفع طرق الوقاية ولا يفيد الاحتياط شيئًا - هذا مبلغهم من

العلم، وأما عملهم فهو أنهم يأكلون ما ينهى الأطباء عن أكله ويمتنعون عن اتخاذ

الأدوية التي تضاد العفونات وتقتل جنة الهيضة ونحوها المعبر عنها بالميكروبات.

والفريق الثاني عقلاء المسلمين وأكثر النصارى أو كلهم، وهم يعتقدون أن كل شيء

في هذا العالم جارٍ على سنة الله تعالى في الأسباب والمسببات، وأن لكل داء دواءً

وأن التخمة وأكل المواد التي يسرع إليها التعفن كالفاكهة والبقول التي لم يحسن

إنضاجها بالطبخ من أسباب استعداد البدن لفتك الهيضة، وأن النظافة والقصد في

الأكل وشرب الماء بعد غليه وتبريده من الأسباب التي تحول دون فتك هذا المرض

في أمعاء الآكلين الشاربين فهم يعملون بذلك، وقد علم بالاختبار أن الوباء فتك

بالفريق الأول دون الثاني {اعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ} (الحشر: 2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت